إننا نحترم كل عمل فني ونقدر الجهود المبذولة فيه، ولكننا نتناول تلك الزاوية التربوية والأخلاقية التي نتمنى أن تكون مدرسة لأجيال يتلمسون الطريق في مناخ ملبد لا يدل على مسلك، أجيال تشاهد أعمالاً إرهابية، وحروباً وقتلاً، فلا يحميهم من هذه المؤثرات سوى دراما نقية تأخذ بأيديهم..

لم يكن استخدامنا لمصطلح القسوة من فيض الخيال، ولكنها مدرسة درامية مسرحية خرجت لنا على يد المخرج الفرنسي (أنطوان آرتو 1896-1848) حينها أطلق على مسرحه مسرح القسوة. ولعلنا نتساءل عن خروج هذه المدرسة الدرامية المسرحية آنذاك، ذلك أن كل مدرسة تطفو على السطح تحمل بداخلها بذور ظهورها.

فقد قوبلت هذه المدرسة حينها بكثير من الاستهجان من قبل الأخلاقيين والكلاسيكيين لما تحمله في مظهرها من صدمات قد يؤذي النفس المتلقية، وكانت النظريات آنذاك تبحث في مدى التأثير والتأثر على المشاهد حرصاً على البنى الاجتماعية. ولكن كان لآرتو حينها مبرراته التي يستند عليها، وهي الثورة على الأنماط السائدة للمسرح وللدراما باعتماده على الحركة المفعمة بالحيوية والملغزة أحياناً والعنف أحياناً أخرى، ملقياً بمجالات النص على قارعة الخشبات من دون التفات، فكان الرقص والحركة والإشارة والإيماءة والتكوين في الفراغ، هي أدواته من أجل إحداث صدمة بالغة لحواس المتلقي، فكان عالمه الحيوي المتحرك على خشبات المسرح يعني عن تلك الكلمات المنطوقة بين ردهات النصوص. ولم ينقضِ الوقت حتى ساد اعتراف خيالي بمسرح آرتو، وبفنه العميق الذي يرتكز على إبداع حر متفتق يأخذ المشاهد إلى أبعد مدى من التوتر واللهاث خلف تلاحقات الحركة، والفكر العميق الذي يكتنفها؛ ولذلك لم تكن تسمية مسرح آرتو بالقسوة لأنه عنف أو مغرق في القتل، أو الدماء بقدر ما هو عنف اللهاث المتلاحق الخاطف للأنفاس جراء ملاحقة ما يحدث، وبطبيعة الحال تحدث المتعة من فيض ما يحدثه من توتر مدروس وهادف يعتمل في نفس المتلقي ذاته حتى يستطيع تفريغ ما بداخله من طاقة زائدة أو توتر مقيت.

ولذلك استعرت كلمة القسوة في هذا المصطلح لكي يستبين لنا ما يمارسه الإعلام العربي علينا، وعلى كل المشاهدين من قسوة، لكنها قسوة ليست كقسوة (آرتو)، بل قسوة لا تهدف إلا إلى استدرار الجيوب، وبيع الإعلانات، وإشغال مساحات كبيرة من الفضاء الإعلامي. إنها قسوة بلا هدف وسطو على إحساس المشاهد، وعلى مشاعره وعواطفه ووجدانه، فلا تترك سوى خرق بالية مهلهلة تشوه صورة الفرد العربي وهويته وعالمه ومجتمعه.

فإذا ما تناولنا بعضاً منها في هذا الشهر الفضيل مثل برنامج (رامز مجنون رسمي)، ومسلسل (البرنس) و(خيانة عهد)، وغيرها مما تعج به الفضائيات، سنجد كماً كبيراً من القسوة، وبطبيعة الحال هي قسوة غير قسوة (آرتو) الهادفة السابحة في فيض الإبداع والخيال، والذي يولِّد في النهاية لمشاهد العمل صحة نفسية!

فبرنامج رامز مجنون رسمي -للفنان الأكاديمي رامز جلال- لا يعتمد سوى على تقنيات مستوفدة ومستعارة من نسخة أجنبية هذا من ناحية الصورة والمنظر، أما المضمون فلا يتفق وقيمنا التي هي إرثنا الذي نقتات عليه من إكرام الضيف وحسن استقباله، بل نجد كماً كبيراً من الألفاظ المهينة، ومن الصراخ والسباب والضرب وأحياناً أخرى سيل من اللكمات، وكأن هذا البرنامج يرسخ فينا ظاهرة التنمر، والعنف وإهدار القيم غير حسن المعاملة؛ ومما يثير الاستغراب هو حديث المتحدث عن تلك القناة بشكل مفرط في التعالي حينما سئل عن هذا البرنامج والجدل المثار حوله بأنه يبني الشخصية العربية، ويصفها بالتخلف والتدهور والغفلة، وقد تكون تلك وجهة نظره التي نحترمها بالرغم من عدم اتفاقنا معها.

والحقيقة أننا نحترم كل من قام بعمل فني وبذل فيه جهداً، ولكننا نخشى على الأجيال من تأثير سوف يُترَك في نفوس الأطفال قبل الكبار.

أما إذا ما نظرنا إلى مسلسل (البرنس)، وهو من تأليف المخرج محمد سامي وبطولة الفنان محمد رمضان، وعدد من نجوم الشاشة العربية، والذي يتناول حياة رضوان البرنس الذي يعمل في ورشة الدوكو التي يملكها والده حامد. وفتحي شقيقه الأكبر يعمل في تجارة الترامادول مع شقيقهما ياسر. وشقيقهم الأصغر عادل تركهم ويملك شركة سوشيال ميديا. فتحي يريد أن يبيع بيتهم مقابل مبلغ كبير ولكن والدهم يرفض، ورضوان يقف بجانب والده ثم يتوفى الأب تاركا وصية لابنه رضوان ألا يتم توزيع الميراث إلا إذا استقام جميع الإخوة.

فرضية منطقية وواقعية وتحدث في أغلب العائلات العربية، لكن الإغراق في الكراهية والحقد والكره الذي يصل إلى القتل، والتآمر المستمر طيلة الأحداث بشكل يحمل كماً كبيراً من المبالغة التي لا تصل إلى درجة من درجات الواقع، مما يضفي على الفعل الدرامي ثقلاً من الترهل الذي لا يحمل سوى نشر التنمر والحقد والكراهية التي تصل إلى حد القتل الذي نسعى جميعاً لنبذه، وخصوصاً في مثل هذه الحقبة من تاريخنا ومن نبذ الإرهاب وسفك الدماء.

قسوة بلا هدف سوى محاولة استجداء عواطف المشاهد نحو البطل الذي لم نرَ له فعلاً درامياً طيلة الحلقات التسع عشرة، سوى البكاء واستدرار العواطف؛ ومن المتعارف عليه أكاديمياً أن الفعل الدرامى الأساسي لابد أن يحمله البطل بأي حال من الأحوال.

ولا يختلف الأمر كثيراً في مسلسل خيانة عهد بطولة الفنانة الكبيرة يسرا والذي يكتنفه العديد من المؤامرات والخيانات والعلاقات المهترئة. ولا ننكر أعمالاً جيدة الصنع مثل مسلسل فلانتينو للفنان عادل إمام، ومسلسل الفتوة للفنان ياسر جلال، والذي يعرض القوة التي لا تخلو من القيم الأخلاقية والجمالية.

وكما أسلفنا بأننا نحترم كل عمل فني، ونقدر الجهود المبذولة فيه، ولكننا نتناول تلك الزاوية التربوية والأخلاقية التي نتمنى أن تكون مدرسة لأجيال يتلمسون الطريق في مناخ ملبد لا يدل على مسلك، أجيال تشاهد بين الفينة والأخرى أعمالاً إرهابية وحروباً وقتلاً، فلا يحميهم من هذه المؤثرات سوى دراما تأخذ بأيديهم، ذلك أن الدراما هي صائغة الوجدان ومربية الأجيال، ولكن يبدو أننا بحاجة إلى تدريس الأثر على المتلقي في ردهات الأكاديميات الفنية، لأنه يتضح لنا الفارق بين قسوة آرتو وقسوة إعلامنا غير المدروس.