وأنا أقلب صفحات الذكريات، وأستلهم معاني الأمس الجميلة، أؤمن بأن الحاضر والغد سيكونان شبيهين بالماضي؛ لأن الشدائد لا تدوم، وهذا من رحمة الله العزيز الحكيم في خلقه، فالعيد هذا العام، سيشهد في طقوسه معظم ما اعتدنا عليه، فأكلاتنا وجلساتنا، وتعانق أرواحنا فيه مع والدينا وإخوتنا في المقام الأول، ومن ثم أقاربنا وأصدقاؤنا ثانيًا، لن يفت في عضد كل ذلك معالم الأزمة الحالية، فلن نكتم ضحكاتنا، ولن نخفي ابتساماتنا؛ لأن العالم محتجب، فإن احتجبت الأجساد في الأماكن، فإن الأرواح لا يحبسها حيّز المكان، ولا يفقدها عنفوان الأمل والحب فيها قدرتها على صياغة الفرح بطريقتها وأسلوبها، فنحن اليوم بحمد الله بخير، وإلى خير، وكلما ارتفعت في نفوسنا جرعات الأمل بفرجٍ قريب، كلما حافظنا على عيدٍ لا يختلف كثيرًا عن أي عيد، وأول ما يجب فعله، هو الرضى بقضاء الله وإدراك أن لله تعالى حكمة، فلا ندع أي حزن يتسلل إلى نفوسنا، ولنعتد أن نتعايش مع الأزمات بروحٍ جميلة؛ لأن كل ما نحن فيه هو فرصة لنا لنمارس إدارة الأزمات جماعيًا، وهو أمر أهون بكثير من ممارستها فرديًا.

في عيد الفطر لهذا العام علينا أن نتجاوز أي مظهر من مظاهر السلبية التي انتشرت في الشهور الماضية، ثم علينا أن ندرك أن التقارب في العيد في أصله هو تقارب الأرواح، فنحن قريبون جدًا من الذين نحبهم بالفعل حتى إن باعدت بيننا المسافات الطويلة، ولطالما لم تؤثر المسافات في مقدار الحب تجاه من نحب، بل على العكس، كانت المسافات دومًا حافزًا على الاشتياق أكثر لمن نحب، وعيد الفطر هذه السنة سيقوّي في قلوبنا محبتنا لأحبتنا، وسندرك دون أن نخطط، كيف أننا ربما قصّرنا سابقًا في حق بعض من نحب، وكيف أننا كان ينبغي أن نعطي مشاعر حب أكثر لمن نحب، وهذا سيدفعنا بعد انتهاء الأزمة - بإذن الله - إلى إعادة تنظيم مشاعرنا، وتقوية الروابط فيما بيننا، والبذل والعطاء أكثر لمن نحب، فللمرة الأولى سنكون بعيدين عن أحبائنا، ولذلك للمرة الأولى سنشعر أكثر من أي وقتٍ مضى بقيمتهم في حياتنا.

ولأن الإنسان لا يمكنه أن يعيش دون حب وقبول بين الناس، ودون علاقات طيبة مع الأهل والأصحاب، فقد جاءتنا الفرصة الآن لكي ندرك ونفهم قيمة هؤلاء الذين لا غنى لنا عنهم في حياتنا، فبابتعادنا عنهم في هذا العيد، سنفهم كم كان يجب أن نكون قريبين منهم أكثر فيما مضى، وهذا سيجعل عيدنا المقبل - بإذن الله - أكثر محبة، وأعظم فيضًا في المشاعر، وهذا لنفهم وندرك أن كل أقدار الله خير، وأنه في كل أزمة هناك فرصة وفائدة.