لم يحظ شهر رمضان المبارك هذا العام بالقدر الكافي من مشاعر الحفاوة والترحاب التي هو أهل لها، ولم تكن سمات الاستقبال المميزة والمعروفة في مثل هذه الأوقات حاضرة بأدواتها الشعبية أو حتى غير الشعبية لا من خلال التلفاز ولا عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلا النذر اليسير، فضلاً عن وجودها في الطرقات وأزقة الأحياء الشعبية، لقد غابت مظاهر الاحتفاء واختفت علامات الفرح إلى جانب كثير من جوانب الشعائر الدينية. أهلاً أهلاً يا رمضان، اصحى يا نايم وحد الدايم، اليوم يومك يا صايم، بمثل هذه الأهازيج البسيطة والترانيم العامية الشجية التي توارت عن الأنظار، اعتاد أهل المنطقة الغربية استقبال شهر رمضان المبارك، هكذا جرى سيران العادة الحجازية في التحضير والتهيئة احتفاء بقدوم هذا الضيف، الذي تشرئب له القلوب، وترنو إليه الأفئدة، فالمسلمون على اختلاف جنسياتهم وتعدد أماكن وجودهم في أصقاع الأرض كانت مشاعرهم في حالة انتظار وتأهب بأعظم ما تكون فيه مشاعر البشر من اللهفة والشوق، لكن الضيف الذي يترقب إطلالته لم يكن هو الآخر ينتظر منا هذا التمنع والتحصن، غير أن لظروف الجائحة التي أحاطت بنا - نحن المسلمين - وعمت العالم أجمع كانت وما زالت مصدر هذا القصور والتراخي إذن ما صحة العبارة، الظروف التي باعدت بين الأهل والأحبة ومزقت أواصر التواصل بين الأصحاب والخلان، هاتيك الظروف التي لم تتح لنا الاستمتاع بالشهر الفضيل على الوجه الصحيح، بل لم تمنحنا لا المكان ولا الزمان الكافيين لبذل مزيد من الشعائر الدينية المتعلقة بهذا الشهر، وها هو الضيف العريز يلملم ما تبقى من أيامه ولياليه ناويًا الرحيل، يودعنا بالفتور نفسه الذي استقبل به، لكن ماذا عسانا أن نفعل وليس يأيدينا أي حيلة، عزاؤنا الوحيد أن فسحة الأمل لا تزال قائمة لرمضانات مقبلة إن شاء الله، نكون فيها على أفضل حال مما نحن فيه الآن، وحسبنا أن يتغمدنا الله بواسع فضله ورحمته بعد أن أدينا واجباتنا التعبدية قدر المستطاع، وفور أن بذلنا قصارى جهدنا في أداء النسك المتاح.

لقد افتقد الناس في مكة المكرمة تحديدًا وفي كل أرجاء المملكة كثيرًا من الأجواء الروحانية الرمضانية التي كانت تلازم شهر رمضان الفضيل، والتي لم يكن بالإمكان الزيغ والحياد عنها لأي ظرف لولا الأسباب التي أرغمتنا على التحييد في القيام بواجباتنا تجاه هذا الضيف محل التقدير وموضع الإجلال. إن أيامه الأخيرة هذه هي أكثر الأيام إيلامًا ووقعًا على النفس، وأعظمها وجعًا في القلب، حال أي عزيز حين يهم بالرحيل وينوي الفراق، عادة ما يكون لمراسم الاستقبال أو الوداع ظروف وأحوال خاصة، ففي مثل هذه المواقف تتبدل الأحاسيس مدعاة الفراق، حيث تختلط مشاعر الفرح بالحزن والسعادة بالتعاسة، فرحًا وتفاؤلاً به، وحزنًا على وداعه ورحيله، كيف لا وبالأمس القريب كنا نعد العدة لشوق لقائه وتحري هلاله، وها نحن اليوم نتهيأ لوداعه، ورمضان كريم يلا العودة.