لا شك أن الثقافة والإبداع والركض في حلباتها يتطلب المزيد والمزيد من الجهد الدؤوب والمثابرة المستمرة، التي لا تعترف بالأزمات والمعوقات في طريقها، وهذا ما أثبتته حيوية وزارة الثقافة ونتاجها المتجدد لتثبت أن "الثقافة" في قلب الأزمات حاضرة بامتياز..

يقال إن الثقافة منفعة عامة وأساس لصمود المجتمعات عبر التاريخ، ولأننا نواجه اليوم أزمة عالمية، لا تشبه أي أزمة مررنا بها في القرن العشرين، توفي فيها آلاف الضحايا بسبب جائحة كوفيد-19، وأصيب الكثيرون بالعدوى، وهناك مليارات البشر الخاضعين للحجر الصحي في منازلهم في الوقت الراهن، لتبيّن الجائحة بوضوح، كما تفعل الأزمات في أغلب الأحيان، حاجة البشر والمجتمعات إلى "الثقافة" لتجمعهم وتوفر لهم الراحة والإلهام والأمل في وقت مفعم بالكثير من القلق والغموض!

وللمتابع عالمياً، فقد شاهدنا على منصات التواصل الاجتماعي، مقاطع فيديو لمثقفين وفنانين وموسيقيين، يتحدثون ويكتبون ويعزفون ويغنون لملايين البشر على شبكة الإنترنت؛ كما يستخدم الكثيرون موهبتهم الفنية من أجل نشر معلومات مهمة بشأن كورونا، مثل الإشارة إلى أهمية غسل الأيدي جيداً وضرورة التباعد الجسدي، ومجتمعات أخرى التزمت منازلها بسبب الحجر الصحي، فتغنى أفرادها معاً وعزفوا الموسيقى ورقصوا، من النوافذ وشرفات المنازل وما زالوا!

كما قامت كثير من بيوت الثقافة العالمية، بفتح أبوابها بسخاء في العالم الافتراضي، مقدمة زيارات افتراضية لمجموعاتها وبثاً مجانياً على شبكة الإنترنت للعروض الفنية، كما قامت المكتبات، ومكتبات الأفلام بعروضها للجمهور، وفي المنعطف نفسه، تقدمت منظمة "اليونسكو" ومنصاتها التابعة بمواقع التراث العالمي على اتباع النهج ذاته، مثل الموقع الإلكتروني لرحلات التراث العالمي في أوروبا، والتي قدمت للجمهور إمكانية اكتشاف التراث العالمي وهم في بيوتهم، كما أطلقت حملة بعنوان "تبادل الثقافة" على منصات التواصل الاجتماعي؛ لتشجيع البشرية في جميع أنحاء العالم على مشاركة ثقافتهم وإبداعهم مع الآخرين عبر الأثير التقني.

وفي المملكة تصدرت "وزارة الثقافة" بامتياز هذه الفترة الاستثنائية بتنفيذ عدد من المبادرات النوعية واختارت لها شعار "الثقافة في العزلة" تعبيراً عن توجهها لابتكار أنشطة ثقافية متنوعة تستفيد منها مختلف شرائح المجتمع، وتوفر مساحة أمام المواهب لاستثمار إمكاناتها الإبداعية فيما يفيد القطاع الثقافي السعودي وينعكس إيجاباً على جهود الوزارة الرامية إلى جعل الثقافة نمط حياة في كل الظروف.

وللمتابع يجد أن مبادرات "الثقافة في العزلة" شملت عدة مجالات ثقافية متنوعة، من بينها المسرح والأدب والترجمة والقراءة والأفلام وغيرها من المجالات، وانبثقت منها مبادرة "أدب العزلة" والتي نظمتها هيئة الأدب والنشر والترجمة لتحفيز المواهب الأدبية للكتابة خلال فترة العزل الوقائي والتعبير عن المشاعر الداخلية بقوالب مختلفة من قصص وروايات ويوميات ونصوص.

كما حظي المسرح بمساحة مهمة من مبادرات "الثقافة في العزلة" حيث أعلن المسرح الوطني التابع للوزارة عن تنظيم مسابقة التأليف المسرحي لعموم الكتاب والمهتمين بالمسرح، ورصد لها جوائز مالية لمواهب الكتابة المسرحية، كما انطلقت مبادرة "ماراثون القراءة" لتحفيز جميع أفراد المجتمع على القراءة وتشجيعهم على مشاركة ما يقرؤونه عبر منصة إلكترونية مخصصة ووفق مساري "القارئ الصغير" و"القارئ الكبير".

وعلى صعيد صناعة الأفلام السعودية والمواهب الناشطة في المجال، قامت وزارة الثقافة بمبادرة لدعمها من خلال نشر رابط إلكتروني لفيلم سعودي كل يوم من أيام فترة العزل الوقائي عبر المنصات الرقمية للوزارة في مواقع التواصل الاجتماعي، لإتاحة مشاهدة أهم الأفلام المحلية والاطلاع على التجارب الملهمة للمواهب السعودية في مجال صناعة الأفلام.

كما برزت مبادرة «هوايات ثقافية» ووسم «فيلم الليلة» اللذين أطلقتهما لدعم المحتوى المحلي وتسليط الضوء على المواهب السعودية المبدعة في مختلف المجالات الثقافية، إضافةً إلى تخصيص جوائز عينية للفائزين في عدد من المسابقات الثقافية التي تنظمها عبر منصاتها الإلكترونية خلال فترة العزل الوقائي، وذلك تقديراً لمستوى مشاركاتهم الإبداعية وتثميناً لتفاعلهم، بتخصيص 200 جهاز ذكي سيتم منحها للفائزين بحسب بنود كل مسابقة على حدة.

وفي المنعطف نفسه، تسابقت الأندية الأدبية وجمعيات الثقافة ومختلف المؤسسات الثقافية التابعة لوزارة الثقافة بتنفيذ عدد من المبادرات النوعية والمحاضرات الافتراضية والمسابقات، ليتواصل العطاء الثقافي والأدبي والأنشطة التفاعلية افتراضياً مستهدفة كافة الفئات العمرية في المجتمع.

ختاماً، لا شك أن الثقافة والإبداع والركض في حلباتها يتطلب المزيد والمزيد من الجهد الدؤوب والمثابرة المستمرة، التي لا تعترف بالأزمات والمعوقات في طريقها، وهذا ما أثبتته حيوية وزارة الثقافة ونتاجها المتجدد لتثبت أن "الثقافة" في قلب الأزمات حاضرة بامتياز.