ما زالت ثنائية (الصوم والفطر) في التراث العربي شاهدة على الكثير من الأسرار التداولية، والأبعاد الحجاجية التي لا يمكن الكشف عنها في بضعة أسطر. ففي النثر العربي القديم ظهرت تلك الثنائية بشكل واضح في الرسائل، وتحديداً في رسائل التهنئة، كما نجد عند الصاحب بن عباد الذي أرسل قطعةً نثريةً يهنئ فيها أحد الأمراء يقول فيها: «كتابي - أطال الله بقاء الأمير - غُرّة شهر رمضان، جعل اللهُ أيامَه غُرّا، وأعوامَه زَهْرَا، وأوقاتِه أسعادا، وساعاتِه أعيادا..».

وقد تجلّت الأبعاد التداولية في هذا المطلع الرسائلي، ليس في المقام التخاطبي الذي نشأت فيه (مكاتبة الأمير) بل من حيث الصيغ المشحونة بالدعاء ذات العلاقة المباشرة بشهر الصوم، وإذا كان بعضهم يجعل لكل رسالة مقامها، فإن مقامَ الرسالةِ هنا مقامُ تهنئةٍ، لذا ناسب أن يحشدَ الكاتبُ فيه دلالات الزهو والاستبشار.

وفي تكثيف الصيغ الدعائية زيادة اهتمام بالمخاطب، فهو يسأل الله أن يطيل بقاءه، وأن يجعل أيامه غُرّا، كناية عن طيبها وصفائها، وأعوامه زَهْرا، كناية عن حسنها وبهائها، كما يدعو له بأن تكون أوقاته ليست سعداً واحداً، بل أسعاداً كثيرة، وساعاته كأنها من سروره أعياد.

ولقد بانت (ثنائية الصوم والفطر) في النص السابق من خلال أحد وسائل التهذيب والتفاعل التداولية التي أشار إليها العالم اللغوي المعاصر (جورج يول) حيث بدت الثنائية من خلال التلميح الذي يومئ إلى الصوم والفطر، وتدل عليه عبارتا (غرة رمضان - وساعاته أعيادا).

أما الشعر القديم فقد ظهرت فيه (الثنائية) بشكل غزير، فمن ذلك ما جاء في ميميّة ابن حمديس الصقلّي مادحاً:

صُمتَ للهِ صَومَ خِرْقٍ هُمَامِ / مُفطِر الكفِّ بالعطايا الجِسامِ

أطلَعَ اللهُ للصيامِ هلالاً / ولنا من عُلاكَ بدرَ تمامِ

واقتضى الشهرُ من معاليكَ صُنعاً / مُعلياً منه هِمْةً باهتمامِ

قَطْعُ ضَوءِ النهار صوماً وبِرّاً / ودُجى الليل بالسُّرى والقيامِ

أنا أُثني عليكَ جَهدي وعند اللـــــ / ــــــهِ يُثني عليكَ شهرُ الصيامِ

فانظر كيف جعل الشاعر من صيغتي (الصوم والفطر) باباً للإقناع والإمتاع معاً (صمتَ، ومفطر) وانظر أيضاً إلى هلال الصوم كيف جعله يكتمل بدراً بممدوحه؛ هذا الممدوح الذي يقضي نهاره بالصيام، وليله بالقيام، وصار الشهر يكتسب منه قيمةً حتى كأنه يثني عليه عند ربه.

لقد جاوز الشاعر في نصه هذا المظهر التداولي العادي الذي بدا واضحا في (حسن التأدب) كما يشير إليه (جيوفري ليتش) إلى مبدأ التأدب الأقصى الذي أشار إليه التداوليون، وفرعّوا عنه كثيراً من القواعد؛ انطبق منها على النص السابق: قاعدة اللباقة، وقاعدة الاستحسان، وقاعدة التواضع.

ويدخل مثل هذا النص أيضاً في باب (المعطيات المقامية) التي ألمح إليها (مولز، وزيلتمان، وأوريكيوني) فاستعمال الضمير (أنت) يختلف في مقامه، وتوجيهه عن الضمير (هو) وهذا ما لمسناه في النص السابق، إذ استهل الشاعر قصيدته بتوجيه الخطاب، وعدم إزاحته (صُمتَ - معاليكَ - علاكَ..).