ليست الحياة الآخرة إنما بعد الحياة، هكذا يتلاعب الكاتب بالكلمات على طريقة البريطانيين في التلاعب بالكلمات لينتج اسم هذا المسلسل الذي يبدو كوميديا، لكنه مليء بالفسلفة الإنسانية العميقة لمعنى الحياة وكيف نخوضها بأحزانها وأفراحها.

"بعد الحياة" مسلسل بريطاني كتبه وأخرجه ومثل بطولته ريكي جيرفيس، المعروف كممثل كوميدي والمعروف أيضا أنه صانع مسلسل "ذا أوفيس" البريطاني الذي اقتبسه التلفزيون الأميركي وأصبح من أهم المسلسلات الكوميدية في تاريخ التلفزيون الأميركي، جيرفيس إذن معروف بمسلسلاته الكوميدية للغاية، لكنها في ذات الوقت تغوص في تفاصيل الحياة اليومية للبشر لتقدم نماذج بسيطة، وعادية، لكن فرط البساطة هو الذي يغير نظرتك للأمور وكيف يجب أن تعاش الحياة.

يبدو ريكي جريفيس في الحلقة الأولى غاضبا ومستفزا على الدوام، يقابل الناس بالشتاؤم والبذاءة، هو غاضب من الحياة التي أخذت زوجته منه بسبب مرض السرطان، ومعالجته لحزنه بالغضب والتصرف بمنتهى الحقارة مع الناس، لأنه كما يقول لزوج أخته ورئيسه في العمل يستطيع، ويعطيه أمثلة كل يوم على قدرته على النجاة بوقاحته دون أن يتغير شيء، الحياة بالنسبة له أمر مبتذل، والناس مبتذلين ويستحقون الوقاحة، وهو يريد أن ينتحر لكنه سيجرب أولا أن يقابل الناس بهذه القوة الجديدة وهي الوقاحة المتناهية في إخبارهم بالحقيقة من دون تجميل، بصراحة وقحة، لأنه لا يهتم وإذا نفد صبره سينتحر.

لكن مع الأيام نرى ماذا يحدث، كيف علاقات غريبة مع أشخاص هامشيين، تحدث التغيير في حياته. كل شخصية من الشخصيات الموجودة في المسلسل لها معنى، لها عمق، ولها تصرفات مع مرور الحلقات تفهم منها أبعاد الشخصية وسبب تصرفاتها، شخصيات تحبها بالرغم من أنك تشعر أنك من المستحيل أن تشعر نحوها سوى بالنفور لو قابلتها في حياتك. لأنك في حياتك لا تمنح نفسك الفرصة لتفهم، أنت تغلق عينيك وقلبك، ولا ترى سوى النمط الذي تعرفه وتبني عليه أحكامك، هذا المسلسل بطريقته الساخرة والساحرة في نفس الوقت، يفتح عينيك، الناس لهم قلوب، والحكم عليهم لن يمنحك السلام ولا الراحة، جرب أن تفهم الحياة ستكون أجمل، حتى لو من دون تغيير.

يقول بطل المسلسل الحزين والمحبط والذي بدأ يعي أن في الحياة ما يستحق: "مازلت أشعر بالحزن، لكن الحياة تلقي لك أحيانا أشياء صغيرة ممتعة، أليس كذلك؟".

جمل كثيرة تعطي الانطباع النهائي بأن المسلسل رغم سخريته من أخطاء الناس، لكنه احتفاء بالحياة وبالناس، ببساطتهم، بمحبتهم، بمساعدتهم للآخرين أن الحياة بعبارة صغيرة ومكررة لكنها صحيحة جدا "أخذ وعطاء" وأنها تستحق.