أزمة انتشار فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19" أحدثت هزة في عالمنا، مهددة مجتمعات وحكومات كثير من البلدان ومحدثة تغييراً كبيراً في البنى الاجتماعية والاقتصادية للدول. وبالتالي، فإن عالم ما بعد كورونا لن يكون كما قبله، حيث ستجد دول العالم، لا سيما الضعيفة منها، نفسها أمام معضلات اقتصادية كبرى. والأمر المؤكد أن هذه الأزمة الصحية ستنجلي كغيرها من الأزمات السابقة، إلا أن آثارها وانعكاساتها الاقتصادية ستبقى على المدى الطويل، إذ ستتعافى اقتصاديات الدول بدرجات وسرعات متفاوتة نظراً لحجم الأضرار وقدرة هذه الدول على استيعابها. وفي إطار المساعي الرامية إلى مواجهة هذا الوباء وتداعياته، أعلنت الحكومة السعودية عن تدابير عاجلة بقيمة 120 مليار ريال لتخفيف آثار هذه الجائحة، واتخذت مجموعة من الإجراءات الاحترازية لحماية المواطنين والمقيمين في المملكة، بالإضافة إلى توفير المتطلبات المالية اللازمة لتنفيذ الإجراءات الوقائية للتعامل مع تداعيات الوباء والحد من انتشاره وضمان استمرارية العمل في الأجهزة الحكومية.

في المقابل هناك قطاعات استفادت من هذه الأزمة على نحو إيجابي، بما في ذلك قطاع الصحة والتعليم والتجارة الإلكترونية والتكنولوجيا والقطاع العقاري، الذي من المتوقع أن يشهد ارتفاعاً في إقبال المستثمرين العقاريين في ظل تراجع الأسعار والمعروض، ما يساهم في توليد المزيد من الاهتمام بالسوق العقاري من جانب المستثمرين، أضف إلى ذلك تنامي وعي المستثمرين تجاه الاستثمار العقاري كملاذ لحفظ المال ومصدر آمن للدخل ووسيلة مثالية لتنمية رأس المال على المدى الطويل.

وحظي القطاع العقاري بأولوية خاصة ضمن المحفزات الحكومية الأخيرة في المملكة والهادفة إلى توفير جميع الضمانات اللازمة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والمجتمعي، وهو ما يمنح القطاع العقاري استمرارية في النشاط والنمو. كما حرصت حكومة المملكة على إعداد مبادرات عاجلة لدعم القطاع الخاص، لا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة، والأنشطة الاقتصادية الأكثر تضرراً من تداعيات هذا الوباء، حيث بلغ حجم هذه المبادرات ما يزيد على 70 مليار ريال. هذا إلى جانب برنامج الدعم الذي أعلنت عنه مؤسسة النقد العربي السعودي للمصارف والمؤسسات المالية والمنشآت الصغيرة والمتوسطة بقيمة 50 مليار ريال في المرحلة الحالية.

ومن بين القطاعات التي ستشهد تغييراً في حقبة ما بعد كورونا أيضاً القطاع الصحي، الذي سيحظى باهتمام أكبر لا سيما من حيث ارتفاع معدلات الاستثمار في شركات الأدوية حول العالم، وكذلك تقديم الخدمات الطبية عبر الإنترنت. وتتمتع المملكة بقطاع صحي متطور وقادر على تلبية احتياجات المرضى في وقت الأزمات نظراً لخبرة المملكة الطويلة في تقديم الرعاية الصحية للحجاج والمعتمرين وفق أعلى المعايير العالمية. كما ستعتمد الكثير من مجالات الأعمال على القطاع التقني لإنجاز مهامها عن بعد، حيث سيلعب هذا القطاع دوراً أكبر في ضمان استمرارية الأعمال بشكل عام، وسينعكس دوره بشكل جلي على قطاع التعليم، الذي ستتغير هيكليته لتصبح إلكترونية أكثر من ورقية وتتوسع رقعة التعليم عن بعد وتنتشر المدارس الافتراضية. كما سيزدهر قطاع التجارة الإلكترونية ليصبح التسوق الإلكتروني أكثر من خيار بالنسبة لأفراد المجتمع خاصة في ظل وجود الإنترنت والتقنيات والابتكار وطبيعة الحياة التي تفرضها الأزمات.

أما فيما يخص الجوانب المرتبطة بالدروس المستفادة من أزمة كورونا فهي عديدة، فعلى صعيد البيئة فإن هناك تحسن ملحوظ، حيث أصبحت أقل تلوثاً وأكثر نظافة بعد أن انخفضت معدلات انبعاثات الغازات الدفيئة المتسببة في تلوث البيئة. كما برزت أهمية السلوك الجماعي والتكاتف والتكافل الاجتماعي، حيث لا يمكن التغلب على أية أزمة وكارثة دون وجود تعاون مشترك سواء بين الأفراد أو المجتمعات أو الدول.

ومن دون شك إن أزمة كورونا ستغير العالم وستحدث تغيرات جوهرية خاصة على الصعيد الاقتصادي، حيث ستعمل بعض الدول على اتباع أنظمة اقتصادية فريدة من نوعها للتأقلم مع الواقع الجديد. إلا أن الأمر المؤكد هو أن التعامل مع أزمة كورونا باحترافية سيمكن الدول من تجاوز هذه الأزمة بجدارة، أما الفشل في ذلك فيعني عواقب كارثية على اقتصاداتها ولعقود قادمة. وعليه، فإن الاستجابة الصحيحة من الحكومات والشركات والأفراد مع هذه الأزمة وتداعياتها، والتكاتف والتعاون فيما بينهم، يمكن أن تحد من الانكماش الاقتصادي المرتقب وتقصير مدته والمساهمة في خلق اقتصاد أكثر قوة وأكثر استدامة.