أصبحت بعض الثنائيات اليوم باباً من البلاغة، وضرباً من البديع؛ ذلك أنها تقوم في أصلها على المقابلة بين ضدين، وهنا يَظهَرُ سِرُّها الأول، وتتجلى قيمتها الجمالية الأسمى، فالثنائية ليست حديثاً عن اثنين فقط، أو متقابلين متضادين، بل ربما امتدت إلى ما وراء ذلك من الأبعاد الفلسفية التي تدخل في حيز (الفلسفة الجدلية) أو ما يسميه الغربيون (الدِّيَالِكْتِيك) أي المذهب الجدلي الذي يرى أن الحياة إنما تقوم على تجاذب بين قطبين، أو ثنائيتين. ويمكن أن نلحظ هذه الثنائيات الضدية ذات البعد الجدلي في أمثلة كثيرة، على غرار ثنائيات: الخفاء والتجلّي، والحضور والغياب، والتذكر والنسيان، والسواد والبياض، والحياة والموت، والبقاء والرحيل، وغيرها.

وتأتي (ثنائية الصوم والفطر) لتشكّل أنموذجاً من هذه الثنائيات، يمكن استيعابه من خلال هذا السؤال المهم: كيف تُستعمل اللغة في ثنائية ضدية تقوم على الخطاب المحاجج؟ ويتجلى جواب ذلك عند تدبر آيات الصيام مثلاً: «ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» هنا تحديد مقامي، وتفصيل استلزامي، فالمخاطب هم أولئك المؤمنون، وفي هذا اعتناء بالمخاطب واصطفاء، ويظهر في هذه الآية أيضاً الوجه المقابل للصوم، وهو الفطر، ولكنه يظهر ضمنياً، أو بمعنى أدق يظهر مرتبطا بوجوب الأول؛ لتحقيق حجة معينة، لهذا ينظر التداوليون إلى الخطاب القرآني بوصفه خطابا حجاجيا توفّرت فيه كل مقومات التأثير الموجه للمتلقي، ومقتضى حاله.

وفي كتاب الصوم الذي صنفه البخاري في صحيحه، تبرز (ثنائية الصوم والفطر) بشكل واضح، يظهر تداولياً في تبادل الصيغ الحوارية القولية، التي تزيد من سبل الإقناع، وتسهم في تقوية الحجج. فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «ما صام النبي - صلى الله عليه وسلم - شهراً كاملاً قَطُّ غيرَ رمضانَ، ويصومُ حتى يقولَ القائلُ: لا، والله! لا يُفطِرُ، ويُفطِرُ حتى يقولَ القائلُ: لا، والله! لا يصوم». فالتنقل والتقابل هنا بين صيغتي (الصوم والفطر) يشير إلى جانب معياري دقيق، واتزان في القياس منضبط، وهو ما يؤكده الرابط الحجاجي (حتى) الذي يتفق التداوليون على قيمته الحجاجية.

وهناك نماذج كثيرة من الأحاديث النبوية الشريفة التي تناولت ثنائية الصوم والفطر وحملت في طياتها أسراراً حجاجيةً متنوعة، كالإشاريات غير اللغوية في حديث (الشهر هكذا وهكذا) والحجاج بالسرد في حديث البراء - رضي الله عنه -، ومراعاة حال المخاطب بالصوم والفطر في باب حق الأهل في الصوم، وغيرها من الأحاديث.