"من المهم ألا تلمس وجهك؛ لكيلا تجد الكورونا نقطة الاختراق لجسدك". ضمن قائمة التحذيرات، بينما يذهب خبراء السلوك البشري للقول إن حركة لمس اليد للوجه فطرية في الإنسان منذ وجوده بالرحم، تلمس اليد الوجه لتستمد الطمأنينة والحب، والآن تتدخل الكورونا بيننا وبين وجوهنا، وجوهنا هذه التي تحبنا، هذه التي تهدهدنا وتخترق قلوبنا المتصدعة بأخبار "الكورونا" تلحم الصدوع.

حسنًا، فماذا نفعل بأيدينا التي تتسلل في غفلة منا لتمس الشفة الجفن حافة الأنف؟ دعونا لا نقاطع ذلك الحوار، فلربما تكفل حنانُها بتخليق اللقاح المقاوم لكورونا الدخيل.

لحسن الحظ ظفرنا قبل الأزمة بعبوة قفازات سرعان ما سنكتشف كونها سلاحًا ذا حدين، حيث قادنا لصراع لا يمكن تخيله مع تلك القفازات، قفاز لفتح باب بيتك، تبدله لقفاز تتناول به المشتريات في السوير ماركت، تخلع القفاز لتناول بطاقتك الاعتمادية، ليس بوسعك مس البطاقة بعد ولوجها في ماكينة الدفع لعل كورونة طائشة التصقت بها، جعاب للف بطاقتك، قفاز لفتح باب بيتك، وفي زحمة القفازات ترتفع حرارة باريس لـ 23 درجة مئوية ويبدأ الذوبان، تذوب يدك بالعرق في قفازها فيمتلئ وتصبح عملية الخلع والتبديل مستحيلة لكأنما تخلع جلدك.. هذا ما يفعله الخوف، الذي يرافقك روحة ورجعة، ويغم على عينيك فلا تتشرب عنفوان الربيع، كورونا هذا المتربص يدخل معك بيتك، يجعلك تلقي بكامل ثيابك ومعطفك لماكينة الغسيل بما في ذلك الحذاء، هذا هو السفر مع الخوف، حيث تبدأ بعد كل تسوق عملية التنقيب عن الكورونا، تُغْرِق كل حاوية بالمعقمات، كل شيء ينقع بماء الخل، يسبح المكان في عبق خل وكحول، شك في كل شيء حتى في المعقمات، وأيضًا لا يتم محو كل آثار الجريمة التي هي الخوف..

رولان بارو عالم الفيزياء الفرنسي يؤكد أن العالم لا يمكن له الرجعة لما قبل الكورونا، يقول "تقتل الكورونا ربع مليون من البشر وتوجع قلوب الملايين لكن هذه الفداحة لا تُقارن بالكوارث التي تجري يوميًا دون أن تستوقفنا، 60% من الحياة البرية تم تدميرها خلال الـ 40 سنة الماضية، مليونا شخص يموتون في إفريقيا سنويًا من مرض الإيبولا، بينما تذهب الملاريا بثلاثة آلاف طفل يوميًا، 25 ألف شخص يموتون بأنحاء العالم يوميًا من التلوث، 25 ألف شخص يموتون يوميًا من الفقر، يقتل الجوع ستة ملايين طفل سنويًا".

مستحيلة رجعة العالم لما كان عليه من الغفلة قبل الكورونا، "نحن ندمر القاعدة التي تقوم عليها حياة الإنسان على الأرض، ننسف هذه الأرض تحت أقدامنا". بينما تحلق أرباح شركات مثل الأمازون لتبلغ الـ24 بليون دولار في الأربعة الأسابيع الأولى للحجر الصحي العالمي. شركات غيرت وجه العالم وجعلته الفيل في منديل، وصرنا لا نتخيل عالمنا بدونها، إذ بضغطة زر يأتيك كتاب أو شريط فيديو.

يدعوني هذا إلى التفكير، ما الذي لا يمكنك تخيل العالم بدونه؟ سيفورا للتجميل مثلًا، حتى الطلبات أون لاين عطلها قانون قصر التوريد على الضروريات، فماذا عن قلم الكحل والحمرة؟ هل يسعفنا المُعَالِج النفسي بتمريرها كضروريات للتوازن النفسي للذَكَر المحجور عليه مع الوجه المجرد للأنثى؟ فلا غرابة أن تتظاهر الأميركيات مطالبات بالحق في تسريحة أو صبغة شعر بصالونات التجميل. فماذا عن ماكدونالدز وبيرجر كنج؟ اللذين لم يكونا قط مقصدنا وإنما لكونهما عملاقين كان يصعب تصور وقفتهما الحالية، المدهش أن الكورونا حكيمة؛ لأنها تكشف لنا الكماليات التي تلبستنا، كماليات تستمر الحياة بدونها الآن..

نعم توقف الجري وراء الكمالي والزائف وما بقي غير ما يحفظ البقاء، الماء الهواء الغذاء، حتى الدواء يسقط بعضه مع ما سقط. شكرًا حكمة الكورونا، عدا نتفليكس التي ضمت 16 مليون مشترك منذ بدء الحَجْر، لبيع الفنتازيا.