الأبحاث والتطوير يلعبان دوراً مهماً في ترسيخ مفاهيم الابتكار والإبداع، واليوم يُنظر إلى المؤسسات التعليمية كونها مصانع قادرة على إنتاج "عقول جديدة كاملة" أكثر تماشياً مع متطلبات هذا العصر، بفرض "ثقافة البحث" في مدارسها، جامعاتها، قاعاتها، وبين دفتي كتبها، وأكثر..

واجنر، وسميث في كتابهما "إعداد طلاب عصر الابتكار.. تعليم قائم على المهارات لا المحاضرات" يريان أن الهدف الأساسي للتعليم هو تعريض الطلاب لمجموعة واسعة من الحرف والأنشطة، لمساعدتهم في تحديد شغفهم، فشغف الأطفال بالحيوانات، أو الرياضة، أو بناء الأشياء، أو الرسم، أو الغناء، أو طرح الأسئلة، أو جمع العملات.. غالباً ما يتبدد إذا لم يتحول إلى "مهارات" وكفاءات تدوم مدى الحياة.

وهذا بالضبط، هو دور التعليم والمؤسسات التربوية، لنقولب التساؤل بهل يمكن أن يتحول الشغف بالرياضيات إلى خبرة في مجال الإحصاء؟ وهل يمكن لمحب الرسم أن يصبح مهندساً معمارياً موهوباً؟ وهل يمكن أن يتطور حب تركيب الأشياء لأن يصبح حباً للهندسة؟ وهل حب طرح الأسئلة يمكن أن يُلهم طفلاً ليصبح معلماً أو محامياً؟ أو حتى يمكن لـ "إدمان" ألعاب الفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي أن يؤدي إلى خبرةٍ في مجال برمجة الكمبيوتر؟!

العالم الأميركي توماس آدامز قدم مقترحاً لشركات الأغذية في منتصف القرن التاسع عشر، عبارة عن تصنيع منتج غذائي يقوم المستهلك بمضغه والتلذذ بطعمه أكبر وقت ممكن دون ابتلاعه ثم التخلص منه، استقبل اقتراحه بالاستهزاء قبل الرفض، لم تُثبط عزيمة "آدامز" حتى نفذ فكرته على نفقته الخاصة، فكان ذلك بداية ظهور الـ"علكة" في عالمنا، منتج مستديم وثروة طائلة!

مثل هذا المنتج كان إحدى الطفرات الابتكارية -ومثله الكثير- في حقبٍ وفترات سابقة من تاريخنا، ولأن زمننا المتسارع وثورتنا الصناعية الرابعة تحاصر أبواب ونوافذ "مستقبلنا"؛ فقد غدت الأفكار المبتكرة في عصرنا الحديث ضرورة "قصوى" لا مجرد ترف فكري، إذ أصبحت مهارات الابتكار محرك النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة الأول.

"الابتكار" في العقود الأخيرة أصبح عاملاً أساسياً في الحفاظ على القدرة "التنافسية"، وفي بعث حياة جديدة في الأسواق الراكدة وتحسين قدرة أي مؤسسة على التكيّف مع البيئات المتغيرة للمحافظة على بقائها، ويرى مؤلف الإدارة والأعمال الأمريكي دانييل بينك في كتابه "عقل جديد كامل: لماذا سيحكم المبدعون المستقبل"، أن هناك ثلاثة عوامل أدت إلى ارتفاع شأن الابتكار في العصر الحالي، الأول: توافر العمالة الرخيصة ومزاحمتها على الوظائف وإحلالها محلّ من لا يتمتع بالفكر الخلاّق المبتكر، والثاني: ازدحام الأسواق بالمنتجات مما يقتضي وجود أفكار جديدة كشرط أساسي لإيجاد موطئ قدم في تلك الأسواق، أما الثالث: فهو "الآلة" التي تتعلم باستمرار كيفية القيام بالأعمال الروتينية غير المبتكرة!

الكتاب ركز كذلك على مرحلة الإبداع، والتي بدأت مع القرن الواحد والعشرين، وسيقودها أناس يعملون بـ"مخٍ كامل" ويهتمون إلى جانب المنطق والتحليل، بالإبداع والفكر السامي أو اللمسة السامية حيث القدرة على خلق الجمال الفني والعاطفي، واكتشاف الأنماط والفرص، والصياغة القصصية المقنعة، وتجميع الأفكار غير المترابطة في الظاهر ومزجها في ابتكار جديد، أما اللمسة السامية فتتضمن القدرة على التعاطف مع الآخرين، وإدراك دقائق التفاعل الإنساني، واكتشاف مصادر البهجة في الذات وإثارتها في الآخرين، وتجاوز الأمور العادية سعياً وراء الغاية والمعنى.

اليوم تحديداً من المهم إضافة عامل إلى عوامل الكتاب، هو التطور الكبير والثورة في مجال "الأبحاث العلمية" التي تتناول التفكير المبتكر وكيفية تطويره، فالأبحاث والتطوير يلعبان دوراً مهماً في ترسيخ مفاهيم الابتكار والإبداع، ويسهمان بفاعلية سريعة المفعول في تعليم وتطوير الشعوب والأمم التي تتبنى مفهوم البحث العلمي والتطوير، ونجده جلياً في عدد براءات الاختراع والصناعات الجديدة والمتقدمة التي تخدم العالم المتقدم نتيجة للأبحاث الصناعية في كل التخصصات والمجالات حتى حماية البشرية من الأوبئة!

ختاماً، يعوّل ويُنظر إلى المؤسسات التعليمية كونها مصانع قادرة على إنتاج "عقول جديدة كاملة" أكثر تماشياً مع متطلبات هذا العصر، بفرض "ثقافة البحث" في مدارسها، جامعاتها، قاعاتها، وبين دفتي كتبها.. وأكثر!.