جرت العادة منذ القديم على أن يتبارى الشعراء في استقبال رمضان، ويتسابقوا في وصف تطلعهم إليه، وتشوقهم إلى رؤيةِ هلاله، والترحيب بمقدَمه. والحق أن أكثر الشعراء قد أبدع في تصوير ذلك الشوق من خلال صورٍ كثيرةٍ جميلة، جعلتهم يشبهون هذا الشهر بالضيف، وبالنور، وبالصديق، والإنسان الكريم، بل يبالغون في الوصف فرحةً واستبشاراً إلى الحد الذي يرسمونَ فيه لوحاتٍ رمزيةً جميلةً، كما عند ابن حمديس الصقلي في وصف هلال رمضان:

قلتُ والناسُ يرقُبونَ هِلالاً يشبهُ الصَّبَ من نحافةِ جِسمِهِ

مَن يكنْ صائماً فذا رمضانُ خَطَّ بالنورِ للـورى أول اســمهِ

فهو يرسم ذلك المشهد الذي يرقب فيه الناسُ الهلالَ الدقيقَ النحيفَ كجسم إنسان عاشق، ويزيد في رمزية هذا الموقف، فيرسمُ صورةً أخرى للهلال عندما يشبهه بأول حرف من رمضان، وهو حرف الراء. ويمكن أن نَعُدَّ هذين البيتين من العتبات الافتتاحية القديمة التي تُهنِّئُ برمضانَ، وتتباهي باستقباله. وقد ارتضينا مصطلح العتبة هنا؛ لأنه مصطلح نقدي يشير إلى محيط النص، أو ما يحاذيه، ويوازيه.

ومن خلال بحثنا المتواضع عن الشعر الذي قيل في استقبال رمضان، تبيّن لنا أن شعراء العصر الحديث كانوا أكثر اهتماماً بهذه التهنئة، ولعلنا نشير إلى بعضهم كعبدالقدوس الأنصاري، ومحمد حسن فقي، وحسين عرب، ومحمد إبراهيم جدع، وأحمد سالم باعطب، وغيرهم كثير. كذلك فإن عدد من كتبوا مهنئين برمضان ليسوا بقلة قديما وحديثاً.

ولئن كان (رمضانُ) في حدّ ذاته عنواناً، فإن (التهنئة) بدخوله، ورسم صورة هلاله، هي بمنزلة التقديم له، أو الاستهلال، أو ما يطلق عليه بعض النقاد (الخطاب التقديمي) بل إن التهنئة على هذا النسق ربما ضارعت بعض النصوص الموازية كـ (الإهداء) مثلاً من حيث المنزلة والقيمة؛ ذلك أن المهدي يحتفي بالمهدى إليه، كما أن المُهنِّئَ يحتفي بالمُهَنَّى. وكلاهما - أي التهنئة والإهداء - مدعاةٌ للسرور، والابتهاج كما يقول القلقشندي في صبح الأعشى.

وقد وصف القلقشندي كُتُب التهاني بأنها: «من ضروب الكتابة الجليلة النفيسة؛ لما في التهنئة البليغة من الإفصاح بقدر النعمة، والإبانة عن موقع الموهبة، وتضاعفِ السرور بالعطية» ولهذا يمكننا القول: إن التهنئة برمضان تعد أمراً لافتاً للانتباه لدى الشعراء، وبخاصةٍ عند مجايلينا في قنوات التواصل الاجتماعي، حيث بدت التهنئةُ عتبةً جليّةً للاستقبال والاستهلال، وتكشف هذه العتبة عن معان سامية لدى المتلقي.

وانطلاقاً من القاعدة السيميائية «مادةُ المضمون تُظهِرُ شكلَ المضمون» فإن مظاهر الاستهلال تراوحت في قنوات التواصل الاجتماعي بين الاستقبال والترحيب، والتطبيب والمعالجة، والضياء والنور، والاسترجاع والاستذكار، والأُنس والبشرى، والحبُّ والمحبوب، وغير ذلك؛ فرمضان إذن استُقبل بوصفه ضيفاً، أو حبيباً، أو طبيباً، أو وسيلة تضيء النفوس، وتسعد الناس، وترمز للماضي الجميل.