لم تؤد جائحة كورونا إلى تدني أسعار النفط فقط، وإنما قبل ذلك دمرت الاقتصاد العالمي. فتهاوي سعر خام غرب تكساس الأميركي تسليم مايو المقبل بنسبة 300 % إلى أدنى مستوى في تاريخه -37.63 دولاراً للبرميل، وتراجعت أسعار العقود الآجلة لخام "نايمكس" الأميركي وبرنت القياسي تسليم يونيو المقبل بنحو 18.3 % إلى 20.03 دولاراً للأول وبنسبة تزيد على 9.2 % إلى 25.46 دولاراً للثاني، كلها دلائل تشير إلى أن دولاب الاقتصاد العالمي لا يدور بشكل طبيعي. 

ودعك من التفسيرات المتفائلة، التي تقلل من شأن ما حدث معتبرة أن ما جرى لا يتعدى كونه مضاربة على أوراق وليس على أرض الواقع. فالمتفائلون يرون النصف المليء من الكأس فقط ولا يرون النصف الفارغ منه. فهم يتجاهلون جوهر المشكلة ويركزون على أوراق المضاربة وحدها. وكأنما المضاربة نشأت يوم أمس، ولم تنشأ بالتزامن مع السوق. فالمضاربون ليس هم أساس المشكلة وإنما شكل من أشكالها. فهم لم يصنعوا الأزمة وإنما وقعوا ضحايا لها. فلو كانوا يتوقعون أن براميلهم سوف تصبح فيما بعد أرخص من الماء لما ورطوا أنفسهم - ضمن ما يعرف بظاهرة كونتانجو - عندما تتوجه براميل النفط بشكل معاكس. فترجع بعد أن تباع إلى المضارب لآنه ليس هناك إقبال عليها. 

بالفعل، فإن ما نراه، هو انعكاس لما يعيشه الاقتصاد العالمي من تدهور جراء جائحة كورونا، التي تسببت في موت ما يزيد على 187 ألف شخص وإصابة الملايين بالأمراض. هذه الجائحة التي أجبرت خطوط الطيران إلى إلغاء رحلاتها وإيقاف طائراتها صفوفاً أمام بوابات القلاع إلى أجل غير مسمى.

فكورونا هي التي أدت إلى منع التجول وجلوس الناس محبوسة في بيوتها وخلو الشوارع والطرقات من السيارات والناس. فهذه الأمور وغيرها قد أدت مجتمعة إلى تراجع الطلب على الطاقة، خاصة أن السيارات والطائرات تعتبر المستهلك الرئيس للوقود. 

إذاً فالمسألة غير متوقفة فقط على المضاربين، فهناك اقتصاد يتهاوى إلى درجة أن تقارير الأمم المتحدة صارت تدق ناقوس الخطر، بأن الجوع سوف يطرق الأبواب. وهذا بالتأكيد ليس بفعل المضاربين وإنما لأن الأرزاق قد انقطعت. فالتوقعات تشير إلى أن هناك آلاف الشركات سوف تفلس، وأن الملايين قد يصبحون عاطلين عن العمل.

إذاً فظاهرة "الاثنين الأسود" هي انعكاس على كل ما تمت الإشارة إليه. ولذلك لا يستبعد في مثل هذه الظروف أن تفلس العديد من شركات النفط والغاز، وذلك على نحو مماثل للعام 2008، عندما أدى التلاعب المالي إلى إفلاس أعمدة النظام المصرفي، مثل بنك ليمان براذرز، وتأميم الشركات التي أصابها الإفلاس مثل جنرال موتورز.