شخصيتنا لهذا الأسبوع من أوائل الموظفين في النيابة العامة في الحجاز؛ ألا وهو الشيخ صالح العباد الذي كان شاباً طموحاً، وكانت نفسه توّاقة لمعالي الأمور، لم يكن قد تخرّج من جامعة أو كلية متخصصاً في الإدارة، ولكنه كان يجيد الكتابة والقراءة كما شأن من تعلم في ذلك الزمن، ولكن مع مرور العقود والأزمنة أصبح يُرجع إليه في أنظمة الدولة وفي تفاصيل ودقائق هذه الأنظمة التي تحتوي على مئات المواد والقرارات، وهبه الله ذاكرة فولاذية بطيئة النسيان مع حضور البديهة، ولعلنا في هذه السطور أن نغطي شيئاً من سيرته.

هو الشيخ صالح بن عباد العباد، من مواليد العام 1320هـ، ولد في عنيزة ونشأ بها وتعلّم أبجديات الكتابة والقراءة وقراءة القرآن، ولأول مرة يرحل هذا الشاب من عنيزة برحلة نحو الشرق، هذه الرحلة ليست في داخل الجزيرة العربية، بل هي رحلة طويلة عبر البحار ومن الخليج العربي مروراً بالمحيط الهندي إلى القارة الهندية حيث المال والأعمال والتجارة، توفي والده وهو صغير السن الأمر الذي اضطره للهجرة، وكانت أسرة السليمان آل حمدان بالهند مثل بقية الأسرة النجدية التجارية، فعمل معهم وكانت رحلته إلى الهند إبان الحرب العالمية الثانية، وهو وقت عصيب لهذه الرحلة وخطير لكن شدة بأس صالح العباد - رحمه الله - وجَلَده كانت العامل الأقوى في تحمله.

استقر بالهند حيث عالم التجارة والتُجار، وهو عالم جديد بالنسبة للشاب صالح العباد، لكنه تأقلم نحو هذه البيئة الجديدة وكانت أياماً وسنوات لا تُمحى من ذاكرته، حينما يعيد شريط ذكرياته وسنوات شبابه، فهو يتذكرها تماماً، ويرويها بثقة بالنفس، وما ذاك إلاّ ليكون درساً لمن ينسى ماضيه وينكره، وبعد هذه الرحلة والعمل بالهند رجع إلى وطنه.

نيابة عامة

المقصود بالنيابة العامة أي نيابة الحجاز، حيث كان صاحب السمو الملكي الأمير فيصل - الملك فيصل فيما بعد - نائباً عن والده الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - في الحجاز وبهذا أطلق عليها النيابة العامة، وكان المسؤول عن النيابة العامة والشخصية الثانية بعد نائب الملك هو الشيخ إبراهيم السليمان العقيل - رحمه الله -، وهو من الشخصيات القديمة التي عملت في الدولة، وكان لها تاريخ وسيرة في العمل الرسمي بالدولة وفي الدبلوماسية، انضم الشيخ صالح العباد - رحمه الله - إلى النيابة العامة موظفاً، وهنا وضع أول قدم له في السلك الحكومي في الدولة ولتبدأ محطة العمل الحكومي ومسيرة الوظيفة، وتجربة رحلة الهند لاشك علّمته شيئاً من الخبرة مخالطة الناس والتعامل معهم، واتسمت شخصيته بالصرامة والجد، فهو رجل عملي قليل الكلام وحازم وجاد في أعماله، بل هو وفي لهذا العمل يعطي العمل ما يستحقه من الجهد، بل أكثر مما يستحق العمل لدقته وبالغ حرصه، لذلك تعلّم بوقت وجيز طبيعة العمل الذي تعيّن عليه في النيابة العامة، وبعد مدة ليست طويلة نال ثقة المسؤولين بالنيابة العامة بمكة وعلى رأسهم نائب الملك «صاحب السمو الملكي الأمير فيصل - الملك فيصل فيما بعد».

ومن هذا التاريخ وصالح العباد في معية الملك فيصل في مكة وما بعد مكة وفي الرياض وجدة والطائف، هذا وقد رافق الملك فيصل في أسفاره الخارجية، ولولا صفاته في الإدارة التي تميّزت وبرزت وظهرت عند الملك فيصل - رحمه الله - ما كان ينال هذه الثقة وحسن الظن الكبير من جلالته.

بناء مؤسساتي

وقال خالد بن صالح العباد - رئيس المراسم الملكية - عن هذه المرحلة في حياة والده مع الملك فيصل قائلاً: تعلّم والدي في مدرسة الفيصل الصمت والعمل المتواصل وحب الوطن، حيث كان - رحمه الله - يواصل الليل بالنهار وعُرف عنه الصمت الشديد والحزم في تطبيق النظام.

ولقد عاصر الشيخ صالح العباد مرحلة التأسيس للأنظمة والقوانين الخاصة بسير العمل في الدولة منذ أن كان في النيابة العامة حتى آخر يوم له في ديوان مجلس الوزراء، فشخصيته شاهدة على عصر البناء المؤسساتي للدولة وسن القوانين، وليس من المستبعد من خلال مسيرته في الدولة طيلة هذه السنوات أنه قدّم اقتراحات نحو سن قوانين وإصدار أنظمة فهو - كما قلت - مرجع في أنظمة الدولة.

رئيس مكتب البرقيات

وأول قيادة إدارية تولاها الشيخ صالح العباد - رحمه الله - هي رئيس مكتب البرقيات بالنيابة العامة بالمكتب الخاص، ومكتب البرقيات هو مكتب مهم وحساس في ديوان النيابة العامة، فالنيابة العامة تأتيه برقيات من داخل المملكة وبالأخص من ديوان الملك عبدالعزيز في الرياض، وهذه البرقيات تعرض على نائب الملك في الحجاز - ألا وهو الملك فيصل -، والجدير بالذكر أن ديوان النيابة العامة بمكة يتكون من عدة أقسام، هي كما ذكرها العلاّمة خير الدين الزركلي في كتابه (شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبدالعزيز) كالتالي: المكتب الخاص، مكتب النيابة، مكتب اللجنة الدائمة لمجلس الوكلاء وشعبة الحاشية والضيافة وشعبة اللوازم الخاصة وشعبة الخيل وشعبة البادية وشعبة الجيش الإبل وشعبة السيارات، والمكتب الخاص هو أهم ما في النيابة العامة؛ لأنه يتعلق مباشرة بالنائب العام، وقد قطع الشيخ صالح العباد أشواطاً من العمل في النيابة العامة وأثبت جدارته وكفاءته في عمله كرئيس لمكتب البرقيات بالمكتب الخاص ثم حظي بثقة النائب العام - الملك فيصل - وعُيِّن مساعداً لرئيس ديوان النيابة العامة، فأصبح الشخصية الثالثة بعد النائب العام ورئيس ديوان النيابة العامة، وهكذا كان يتسلم قيادة وإدارة ديوان النيابة العامة نائباً لرئيس الديوان.

وكما قلت إن الشيخ صالح العباد كان وفياً كل الوفاء لعمله، وكذا كل المهام التي أوكلت إليه، إدارية وقيادية، ولم يكن همه الأضواء والإعلام طيلة الخمسين عاماً التي قضاها في خدمة الدولة والوطن.

أعلى منصب

وبتاريخ 1 /7 / 1391هـ صدر الأمر الملكي بتعيين الشيخ صالح بن عباد العباد رئيساً للديوان الملكي بالنيابة ورئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء بمرتبة وزير، فهذا أعلى منصب قيادي تعيّن عليه، فلقد ارتقى هذا المنصب بعد خبرة تراكمية في العمل الإداري الطويل بالدولة وكلها كانت مع الملك فيصل -رحمه الله - الذي تعلّم منه الشيخ صالح أشياء كثيرة كلها تصب في مصالح الدولة، وبالأخص عندما كان بالقرب منه في ديوان مجلس الوزراء وفي قصره سواءً في الرياض أو الطائف وجدة، والعمل لا ينتهي بانتهاء العمل الرسمي بل يمتد إلى ما بعد حتى الليل، وحيث إن الشيخ صالح عُرف عنه سرعة الإنجاز في العمل؛ والمنصب الذي تولاه لا يتعلق فقط بوزارة واحدة بل لكل الوزارات ومصالح الناس، فالوزارات ترجع أعمالها إلى الديوان، وهذا يتطلب الكثير من الجهد والوقت المتواصلين والعمل المستمر والحزم في كل وقت والجدية، وكان يحث موظفيه على هذه الأمور التي تؤدي إلى تطوير الموظف في عمله وتحمله المسؤولية، لأن النتيجة الأداء الجيّد للموظف في عمله، وهنا يكون العمل الإداري المتقن والمثمر.

تفانٍ وصبر

وتحدث محمد بن حسن الألمعي عن ذكرياته في العمل بديوان رئاسة مجلس الوزراء مع الشيخ صالح العباد طيلة 22 عاماً قائلاً: غرس فينا حب العمل والتفاني والصبر والجلد، وأنه لا مكان في هذا لمن لا يؤدي عمله على الوجه الأكمل والمطلوب، مضيفاً أن من غرسه الذي علق بأذهاننا أنه دخل علينا يوماً ونحن بمقر الديوان، فسألنا عن أحد الموظفين وأخبرناه أنه منوَّم بالمستشفى فقال: غطوا عمله، وينبغي أن تدركوا أنكم تعملون في قمة أجهزة الدولة، ولن أقيدكم بسجل الحضور والانصراف حيث يجب أن تكونوا قدوة، كل منكم رقيب على نفسه، مشيراً إلى أن هذا درس إداري رصين منه، من خلال إعطاء الثقة للموظف في تأديته عمله، وهذا ما يجعله يقدر المسؤولية ويعمل بإخلاص وحب للعمل، ومع عدم المركزية فالشيخ صالح متابع فذ إداري محنك في القيادة الإدارية والمالية، فهو يمنح الثقة للموظف لكن لديه أسلوبه الإداري والقيادي في المتابعة وسير العمل، فمن خلال هذه الخبرة العميقة بالإدارة فهو يعلم من هو الموظف الجاد المؤدي عمله أو غير ذلك، وليس إذا حصل خطأ أو غلط من موظف دعاه إلى مكتبه ونصحه وأرشده في حزم من القول لكن بهدوء.

سرعة الإنجاز

وقال خالد بن صالح العباد عن والده: كان حريصاً على سرعة إنجاز الأعمال، خاصةً ما يتعلق بالوزارات والإدارات الرسمية؛ لأن هذه المعاملات لها علاقة بالموظفين أيضاً، كان أول من يحضر إلى الديوان قبل سائر الموظفين وآخر من ينصرف منهم، حيث أصبح قدوة يقتدى بها في المواظبة على الدوام والالتزام بالعمل.

والشيخ صالح العباد منحه الله الفكر الإداري والمهنية في العمل والصرامة في تطبيق الأنظمة حتى على نفسه، بل هو أول الموظفين في الالتزام بكل ما هو من شأن العمل، ووهبه الله عز وجل عقلية ذات حافظة، وإذا مرت عليه معاملة أياً كانت فهو يتذكرها بدقة ويوجه الموظفين أين مكانها في الديوان، مع هذا الكم الهائل من سيل المعاملات التي ترد إلى الديوان وكأنه حاسب آلي، وكان في ذاك الوقت لم يعمم الحاسب الآلي في الدوائر الحكومية، وكل شيء بالورق والسجلات، وهذا ما يؤكده محمد الألمعي عن شخصية الشيخ صالح العباد.

موقف ودرس

والشيخ صالح العباد - رحمه الله - وإن كان صارماً وجاداً في العمل إلا أنه في جوانب من حياته الأسرية إضاءات تربوية يرسلها لأبنائه، فهو في النهاية والد ورب أسرة، سألت الأستاذ خالد: هل تحفظ بعض المواقف التي لها تأثير عليك في حياتك من الوالد؟، أجاب قائلاً: القصص كثيرة وتدل على حكمه النادرة، فقد كان يصف الملك فيصل - رحمه الله - بأنه سابق لعصره، فعلى سبيل المثال كانت قصة بينه وبين الوالد، وكنت صغيراً في السن وكنت أهمل إطفاء الإنارة والتكييف في غرفتي وكان يتضايق من ذلك، وفي إحدى المرات قلت له مازحاً: إن المبلغ لن يكون كبيراً فطلب مني أن أستمع لهذه القصة التي حدثت بينه وبين الملك فيصل، فكان من عاداته أن يقوم بعرض بعض الأوراق المهمة في منزل الملك فيصل في الطائف، وكان إذا حضر وعادة لا يحضر إلا بعد صلاة المغرب حيث الملك في حديقة القصر، وعند انتهاء العرض يأتي الملك فيصل إلى باب جانبي يدخل منه إلى باب المنزل، وأثناء مسيرتهما إلى داخل المنزل توجد أعمدة إنارة في الحديقة وكان الملك فيصل يذهب إلى كل عمود لإطفاء الإنارة قبل دخوله إلى المنزل، وفي إحدى المرات عرضت أن يقوم أحد العاملين في الحديقة بالمرور على أعمدة الإنارة وإطفائها فرفض، وكان ذلك قبل أزمة النفط في الغرب وظهور شعار الحفاظ على الطاقة، وهذا يدل على أن الملك فيصل سابق عصره.

إحساس بالفقراء

ومن الجوانب المضيئة في حياة الشيخ صالح العباد - رحمه الله - إحساسه بالفقراء وذوي الفاقة، ففي إحدى المرات في جدة كان الشيخ صالح ذاهباً إلى مكتب عقاري وكان هذا المكتب يتولى إدارة بعض أملاكه، فقال له صاحب المكتب: يوجد لدينا إيرادات إيجاركم، فقال له الشيخ صالح: اصرفها على الفقراء الذين تعرفهم ولا تذكر لأحد هذا الشيء، وكان هذا المبلغ يقارب الخمسين ألف ريال، وهو مبلغ ضخم في ذاك الزمن - العام 1389هـ - وهذا ما رواه محمد حسن الألمعي وكان حاضراً بالصدفة في هذا المكتب حيث كان ماراً على الشارع فرآه الشيخ صالح ودعاه إلى الجلوس في المكتب.

وفاته رحمه الله

وفي تاريخ 2 /1 / 1394هـ أصيب الشيخ صالح العباد بمرض استمر معه بقية حياته، وسافر إلى لندن للعلاج، وأحيل على التقاعد بعدها العام 1395هـ، وفي تاريخ التاسع من شهر شوال للعام 1399هـ يوم الجمعة توفي عن عمر 79 عاماً ودفن في الرياض.

أشكر الأستاذ خالد بن صالح العباد رئيس المراسم الملكية على دعمي وتزويدي بسيرة والده، فله كل الشكر والتقدير والعرفان وفقه الله لكل خير.

الملك فيصل - رحمه الله - ويظهر صالح العباد الثاني من جهة اليمين
صالح العباد وبجواره إبراهيم العقيل رئيس ديوان النيابة بمكة المكرمة
صالح العباد الثاني من اليمين
.. وهنا الأول من اليسار