لقد حان الوقت لوزارة التعليم بعد نجاحاتها مع أزمة "كورونا" أن تتحرك بقوة نحو ثقافة ودستور رقمي موحد متوافق عليه، وأن يتم إدماجه داخل مناهج الدراسة المختلفة؛ حرصاً على سلامة الأجيال الرقمية، وتوظيفها فيما يخدم الوطن ويعزز من شأنه ورؤيته المستقبلية الطموحة 2030..

ليس هناك أدنى شك أن التقنية الحديثة بأشكالها كافة هي عصب الحياة وإكسير الرفاهية، ومنصة الولوج إلى المستقبل الحافل بالمنجزات؛ بل الوقود الخفي الذي غيّر شكل الحياة منذ عقدين تقريباً، وجعل العالم أشبه بناطحة سحاب عملاقة متعددة الأدوار والأجنحة والغرف، لا قرية صغيرة فحسب!

واليوم تحديداً مع جائحة كورونا، وجدنا مليارات الأشخاص حول العالم يتكئون على التكنولوجيا كل ثانية لتسريع رتم حياتهم والحصول على احتياجاتهم في شتى مناشط الحياة، كالتعليم والعمل والتواصل والبحث والقراءة والبيع والشراء والترفيه.. يشاركهم الأطفال والمراهقون بما يبلغ معدل استخدامهم بالساعات مع الأجهزة الذكية في إحصائيات حديثة أكثر وقتاً ممّا يقضونه مع الآباء والأقران والمعلمين!

إنه ذلك العالم الرقمي الذي فرض نفسه بقوة أو «الوطن الرقمي» الذي لا غنى عنه، والذي جعل دولاً متقدمة عديدة مثل بريطانيا وكندا وأستراليا وفرنسا والولايات المتحدة تتبنى استراتيجيات «التعلم الرقمي» في مناهجها وسياساتها التعليمية؛ لتخرّج أجيالاً من المواطنين الرقميين المؤهلين بكفاءة عالية لخوض غمار الحاضر ورؤية المستقبل.

يقول خبير التقنية والمناهج الرقمية «مايكل فيشر» في كتابه المثير "استراتيجيات التعلّـم الرقمي: كيف أكلف الطلاب بمهمات القرن الحادي والعشرين وأقوّمها؟" وتحت عنوان المواطنة الرقمية «Digital Citizenship» من الضروري جداً أن نُدّرس طلابنا «أخلاقيات» العمل الرقمي والتواصل الشبكي مع الآخرين.. نعم؛ فليس هناك أي «وطن» مهما كان شأنه بلا دساتير وسياسات تحكمه وترتقي به، خصوصاً الوطن الرقمي، لما يواجهه من صعوبات كبيرة لدى مفاهيم الكثير، والوعي الكامل في حفظ حقوق الملكية والاقتباس والنشر، وفي التعامل مع الصفحات الوهمية أو الإعلانات المجهولة باسم شخصيات أو شركات وهيئات، وكذلك في توافر جميع أشكال المحتوى السمعي والبصري أو المواد الموجهة وسهولة الوصول إليها بنقرة واحدة، وبعضها يحمل آثاراً خطيرة على الفرد وثوابت المجتمع، وشتى السموم الفكرية الخبيثة.

ومهم أيضًا أن نعرف أن «المواطن الرقمي» من يستخدم الإنترنت بشكل منتظم وفعال وذكي في سبيل تقدم وطنه ورفاهيته، ولا تعني المواطنة الرقمية أبداً «مراقبة» المستخدمين والتدخل في خصوصياتهم، وإنما توجيههم وحمايتهم، خصوصًا الأطفال والمراهقين منهم، وهذه مسؤولية جسيمة تقع على عاتق الأسرة والمدرسة وصناع القرار في المقام الأول، ممّا يجعل لحديثنا نحو المواطنة الرقمية بقية.

إن مجرد معرفة النشء بكيفية استخدام تطبيقات التقنية الحديثة مثل تويتر وغوغل والانستغرام، لا يعني أبداً أنهم يعرفون كيفية استخدام التكنولوجيا لتحسين تعليمهم. ما يدفعنا بقوة نحو تفعيل أصول «المواطنة الرقمية» والتي تعتبر مجموعة من المعايير والقواعد والأخلاقيات والمبادئ الواجب اتباعها في التعاطي مع تكنولوجيا العصر بجميع أشكالها وصورها؛ كي يحمي الفرد نفسه وحقوقه، ومحافظةً على الآخرين وحقوقهم، تحت مظلة "وطن رقمي" ناضج ومتحضر وإيجابي.

وإذا كانت كثير من الدول تدرّس اليوم طلابها ثقافة المواطنة الرقمية الصحية ضمن مناهج التربية الرقمية، ووفق خطط وطنية متكاملة من أجل تأسيس وتطوير مستقبل رقمي هادف وبناء، فحريٌّ بنا نحن أن نكون في أمس الحاجة إلى سياسات رقمية وقائية محفزة، وقائية ضد أخطار التكنولوجيا، ومحفزة للاستفادة المثلى من إيجابياتها في شتى المجالات.

وهذا لن يتأتى إلا من خلال منهج للمواطنة الرقمية ضمن المقررات الدراسية، مثله مثل المقررات الوطنية والاجتماعية والدينية!، ولم لا؟! فهناك ما يزيد على 15 مليون مواطن سعودي مثلاً يستعينون بالتقنيات الحديثة للتواصل مع الآخرين والتصفح المعرفي، وفق إحصائيات حديثة.

ومنه يستحسن في نفس المنعطف أن نشير إلى ستة أسس للمواطنة الرقمية العالمية، والتي وضعها المؤلف التربوي الشهير «لي واتاناب كروكت» في كتابه "تزايد المواطنين الرقميين العالميين"، والتي حددها، باحترام الذات، المسؤولية تجاه الذات، احترام الآخرين، المسؤولية تجاه الآخرين، احترام الملكية، والمسؤولية تجاه الملكية، وهي الأسس التي تنطلق منها اليوم مناهج المواطنة الرقمية في عدة دول.

لقد حان الوقت لوزارة التعليم بعد نجاحاتها مع أزمة "كورونا" أن تتحرك بقوة نحو ثقافة رقمية موحدة أو دستور رقمي متوافق عليه، وأن يتم إدماجه داخل مناهج الدراسة المختلفة؛ حرصاً على سلامة الأجيال الرقمية الحالية، وتوظيفها فيما يخدم الوطن ويعزز من شأنه ورؤيته المستقبلية الطموحة 2030.