حق لنا الفخر بالأطباء والصحيين السعوديين المبتعثين، فقد نحتوا «مملكة الإنسانية» وأسماءهم في سماء جميع دول الابتعاث، ونثروا شعاع «الإنسانية» من رؤية وطنهم وقادته ومستقبله، وشكلوا ملحمةً أنيقةً وثمرةً يانعة لبرنامج الابتعاث..

منذ أسسها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن - رحمه الله - اضطلعت المملكة بمسؤوليات عظيمة جسيمة تجاه أبناء الأمة العربية والإسلامية، وتجاه العالم والمجتمع الإنساني كافة؛ انطلاقاً من نهج قيادتنا الرشيدة وشعبها المجيد بالتمسك بقيم منهج الاعتدال القويم وحثه على خدمة الإنسانية جمعاء.

فقبل أسبوعين أخذ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - يحفظه الله - زمام المبادرة الدوليّة في خضم الجائحة العالمية، بعقد قمة افتراضية استثنائية لقادة مجموعة العشرين حول فيروس "كورونا"؛ حرصاً على أهمية التنسيق والتعاون الدولي، في كل ما من شأنه تعزيز الأمن والاستقرار في العالم، واستشعاراً من المملكة ودورها القيادي برسالةٍ سامية تعكس الالتزام الإنساني والأخلاقي تجاه سلامة شعوب العالم.

وامتداداً لرسالة "مملكة الإنسانية" وأبنائها الكرام، وبمشروعاتٍ حافلة بأنهر من عطاء المواطنة والتمثيل المشرّف؛ ونماذج مضيئة من مبتعثينا رسمت جزءاً من إنسانيتهم وقيمهم الأصيلة في دول الابتعاث، قدموا فيها صوراً وضّاءة عن وطنٍ يستحق مكانته التي تليق به؛ فاليوم يتصدى بكل شجاعةٍ وكفاءةٍ وفخرٍ أكثر من 1000 طبيب وصحيّ مبتعث ضمن 6243 طبيبًا في 27 دولةً لعلاج المرضى المصابين بفيروس كورونا المستجد بجانب أطباء الدول التي ابتعثوا إليها من وزارة التعليم لدراسة بكالوريوس الطب والتخصصات الصحية، أو لاستكمال دراساتهم العليا في تخصصات دقيقة، المبادرة التي حصدت إشاداتٍ دولية واسعة وصورة إيجابية عن قيم المجتمع السعودي ومنهجه المعتدل، وتوجه قيادته أكثر من كونه عملاً فرديًا.

ففي ألمانيا أعلنت الملحقية الثقافية لسفارة خادم الحرمين الشريفين في برلين أن 650 طبيبًا وصحياً سعوديًّا يشاركون بفعالية في المستشفيات مع الأطباء الألمان في مكافحة فيروس كورونا وتقديم الرعاية الصحية للمرضى والمصابين في المستشفيات والعيادات، وفي فرنسا سارع 280 طبيبًا وصحياً للقيام بالدور النبيل ذاته، إضافةً إلى 20 في سويسرا، و24 في أيرلندا، وطبيب واحد في إيطاليا، هذا غير الأرقام المعلنة أو المؤكدة أعدادهم في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وغيرها من دول الابتعاث!

جائحة "كورونا" أظهرت المعدن السعودي الأصيل لمبتعثينا وتفاعلهم الإنساني مع المجتمعات التي يدرسون فيها ويعيشون بها بمبادراتٍ حافلة بأنهر من عطاء المواطنة والتمثيل المشرّف، ونقل صورة حضاريّة مشرقة عن ديننا الإسلامي ومنهجنا المعتدل، وتفاعل مضيء وأنموذج راقٍ لانفتاح الشعب السعودي على الآخر ونهج تعامله الإنساني الأصيل مع شعوب العالم؛ قدموها بفعلٍ قيمي عصريّ جمع بين النبل والإنسانية وشراكة أنيقة مع دول الابتعاث وشعوبها؛ تحسس فيها مبتعثونا الرسالة، لامسوها وعادت بهم إلى مناص الأماني وتحقيقها للوصول إلى خارطة "الوطن" ومكانته التي تليق به، وحلمٌ يمتد بهم إلى تشريف وتحقيق طموحاته وتطلعات دينه وقيادته.

تلك المشاهد المدنيّة الإنسانية الأنيقة الكريمة رسمها وأنتجها وأخرجها فكر وسواعد طلابنا ومبتعثينا الدارسين في الخارج؛ فكانت كفيلة بزرع البسمة والبلسم على شفاه الكثير في هذه الأزمة، صنعوا فيها قوةً ناعمةً سعودية نحو زرع قيم العمل الإنساني وسبر أغوار جوانبٍ من ترسيخ ثقافة المشاركة والتعبير بمشاعر الحياة والخير نحو الآخر.

تبقى رحلة الابتعاث تجربة ثريّة بالحيوات والأحداث، تضع بصماتٍ خالدة في مسيرة المبتعثين وذاكرتهم دون تعطيل، بل قد تلوّن صوراً داكنة وتشكلّها ألواناً زاهيةً في خارطتهم الذهنية بشكلٍ آخاذٍ يُمكنّهم من فهم أنفسهم أولاً فالمجتمعات الأخرى بشكل منصفٍ وصحيح، تمنح قدرات أخرى حقيقية على تجاوز أعوام التأقلم القاسية بين غربة المكان وفكر الزمان ويجمعهما "مملكة الإنسانية"!

حق لنا الفخر بالأطباء والصحيين السعوديين المبتعثين، فقد نحتوا "مملكة الإنسانية" وأسماءهم في سماء جميع دول الابتعاث، ونثروا شعاع "الإنسانية" من رؤية وطنهم وقادته ومستقبله، وشكلّوا ملحمةً أنيقةً وثمرةً يانعة لبرنامج الابتعاث.