العلاقة بين النشاط الاقتصادي العالمي واستهلاك البترول كعلاقة الجسد بروحه. لقد كان اكتشاف واستهلاك البترول (الذهب الأسود) في أميركا في بداية القرن الماضي (قبل 120 سنة) السبب الجوهري الرئيس (Game-Changer) الذي أدى إلى تفوق الاقتصاد الأميركي على اقتصادات بريطانية ودول أوروبا الغربية. رغم سبقهم الصناعي وانتشار الاستعمار البريطاني والأوروبي واستغلالهم لثروات الدول المستعمرة المنتشرة في شتى أنحاء الكرة الأرضية حينذاك.

لكن العلاقة بين النشاط الاقتصادي واستهلاك البترول مُتبادلة في الاتجاهين. فكما أن نمو استهلاك البترول يؤدي إلى نمو النشاط الاقتصادي فإن خمول النشاط الاقتصادي يؤدي إلى انخفاض استهلاك البترول. هذه الظاهرة الاقتصادية كانت ولا زالت مجال الدراسة النظرية والقياس التطبيقي (empirical) سواء على المستوى العالمي أو على المستوى لكل دولة على حدة.

لقد أدى انخفاض النشاط الاقتصادي العالمي بسبب كورونا إلى انخفاض استهلاك العالم للبترول -وفق تقديراتي الشخصية- بأكثر من 26 مليون برميل في اليوم (مُعظمها في جميع وسائل المواصلات). فانخفض الاستهلاك من حوالي 101 مليون برميل في اليوم إلى أقل من 75 مليون برميل في اليوم.

هذا الانخفاض الكبير المُباغت في استهلاك البترول. وبالتالي انخفاض الطلب العالمي على البترول في الوقت الذي لم يقابله انخفاض في عرض البترول أدى إلى انهيار سعر البترول إلى أقل من 25 دولاراً للبرميل. بعد أن كان السعر في طريقه إلى 70 دولاراً للبرميل لو لم تغزُ جائحة كورونا العالم.

يجب أن نفرق بين الطلب على البترول واستهلاك البترول والفرق بينهما هو التغير في المخزون. فقد يكون استهلاك البترول أكثر من الطلب على البترول عندما يتم السحب من المخزون. وقد يكون استهلاك البترول أقل من الطلب على البترول عندما يتم الإضافة إلى المخزون.

في البداية لحدوث كورونا انخفض الطلب الاستهلاكي العالمي للبترول. ولكن زاد الطلب العالمي على البترول للتخزين. ثم لم يلبث الزمن طويلاً أن امتلأت المخازن المتاحة للتخزين. فانخفض الطلب الكلي للبترول بجزئيه (الاستهلاك + التخزين) ما أدى إلى انهيار -غير مسبوق- من حيث الحجم في الطلب الكُلي للبترول حيث تجاوز الانخفاض 26 مليون برميل في اليوم.

ليس من الواضح الآن متى يعود النشاط إلى الاقتصاد العالمي. لا سيما المواصلات التي تستهلك حوالي 59 % (58 مليون برميل) من استهلاك البترول.

الفارق الكبير بين عرض البترول الذي لا يقل الآن عن 90 مليون برميل في اليوم والطلب على البترول الذي لا يتجاوز الآن 75 مليون برميل في اليوم. يتطلب خفض عرض البترول بحوالي 15 مليون برميل في اليوم. لكي يتحقق التوازن بين العرض والطلب وبالتالي يتحقق الاستقرار لسوق البترول. لكن يبدو من الصعب أن يتجاوز السعر 50 دولاراً للبرميل قبل القضاء على الجائحة.