الاعتبار في النصوص بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فلا يجوز للإنسان أن يلقي بيده إلى التهلكة، كأن يلقي نفسه من شاهق، ويقول: إنّي أتوكل على الله، أو يتناول السم ويقول: إني أتوكل على الله، أو أن يطعن نفسه بسكين ونحوه، ويقول: إني أتوكل على الله..

دأب الإخوان المفسدون على استغلال كل أمر يحدث في دول العالم ولا سيما في الدول العربية التي يعادونها فيوظفونه لصالحهم، بأسلوب المكايدة الذي عرفوا به، من مكر وخديعة وانتقائية لا تخفى على أحد. فما أن أعلنت بلادنا وعدد من الدول تعليق الصلاة في المساجد، بما فيها صلاة الجمعة وقاية للمصلين من تفشي عدوى المرض، حتى انبروا لخلط الديني بالسياسي، والطبي بالفقهي، وتحريض الشعوب على الحكام، بادعاء أن ذلك تعطيل لشرائع الإسلام. ما يؤكد تعصبهم ضد مخالفيهم، وهو تعصب لا يفصل بينه والبربرية إلا خطوة واحدة، حسب الفيلسوف الفرنسي دنيس ديدرو.

وقد أثار إعلان هيئة كبار العلماء في بلادنا، وقف صلاة الجمعة والجماعة لجميع الفروض في المساجد والاكتفاء برفع الأذان (باستثناء الحرمين)، نقاشاً حول ما استند عليه القرار من آي القرآن الكريم؛ ومنه قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، ما يؤكد وجوب حفظ النفس من الأمور التي تسبب هلاكها.

لكن حاكم المطيري أحد إخونج الكويت انتقد هذا القرار بسلسلة تغريدات على صفحته في تويتر، بقوله: "من أعجب الاستدلالات ما ورد في فتوى علماء السعودية لإغلاق المساجد بآية (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، مع أن الآية وردت في الإنفاق في سبيل الله (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، بترك الجهاد والإنفاق فيه! والتهلكة هي عذاب الله بترك فرائضه لا الموت في سبيله!"

أقول إن هذه الآية كما ذكر أهل التفسير "نزلت في الأنصار، لما أرادوا أن يتركوا الجهاد وأن يتفرغوا لمزارعهم، بقوله تعالى: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، فبيّن سبحانه أن المراد بذلك هو: التأخر عن الجهاد في سبيل الله مع القدرة. والآية عامة، كما في القاعدة الشرعية: أن الاعتبار في النصوص بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فلا يجوز للإنسان أن يلقي بيده إلى التهلكة، كأن يلقي نفسه من شاهق، ويقول: إنّي أتوكل على الله أو يتناول السم ويقول: إني أتوكل على الله، أو أن يطعن نفسه بسكين ونحوه، ويقول: إني أتوكل على الله.. كل هذا لا يجوز، فواجب على المسلم التباعد عن أسباب الهلكة وأن يتحرز منها، إلا بالطرق الشرعية؛ كالجهاد وغيره". binbaz.org.sa/fatwas

ومما يؤكد تعصبه لرأيه مع بطلان استدلاله، إنكاره أن المرض لن يتسبب بموت المصلين؛ لأنه مرض وهمي لا حقيقي – كما يزعم - مع ثبوت موت أعداد كبيرة بسببه في كثير من دول العالم، فيقول: "على فرض صحة الاستدلال بالآية.. فالمراد منه الموت المتحقق لا الوهمي فليس كل من ذهب للصلاة في المساجد سيمرض ولا كل من مرض سيموت وتكاد تكون احتمالية وقوع ذلك شبه معدومة في السعودية نفسها.. الاستدلال بقاعدة (حفظ النفس) لإغلاق المساجد خشية المرض في فتوى علماء السعودية استدلال باطل!".

لا ريب أن الأمراض والأوبئة الفتاكة التي من طبيعتها الانتشار بالعدوى تقاس على الأمراض التي عرفت قديماً ومنها طاعون عمواس، الذي حدث في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنها، إذ روي أنه خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ سنة 17هـ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ فيها، فرجع إلى المدينة.

ويشير المؤرخون إلى أنّ تعامل عمر مع ذلك البلاء كان في منتهى الحذر، حيث لم يدخل هو ومن معه إلى الشام، كما حاول إخراج المعافين من أرض الوباء، فضلاً عن قيامه بتحمل المسؤولية كاملة بعد انجلاء هذا الوباء، فرحل إلى الشام وأشرف على حل المشكلات وتصريف تبعات هذه الأزمة.

وروي عن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قوله: (إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ). وعليه: "فكل مرض فتّاك من شأنه الانتقال للآخرين بالعدوى، فإن له حكم الطاعون؛ لأن الشريعة لا تفرِّق بين متماثلين. وقد دلّ الحديث على أنه لا يجوز القدوم على أرض بها وباء فتَّاك ينتقل بالعدوى، ولا الخروج من أرض وقع فيها".

وهو حين ينكر فتوى علماء بلادنا، لم ينكر -تعصبًا لانتمائه الحزبي- فتوى رئيس ما يسمى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي استضافته قناة الجزيرة (2020/3/17) للحديث عن تعليق صلاة الجمعة والجماعة، فأكد ذلك مستشهدًا بقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، كما استشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضررَ ولا ضرار)، وانتقد من قال إنهم يقدمون حفظ النفس على حفظ الدين بقوله: إننا لا نقدم حفظ النفس على حفظ الدين، لأن الصلاة ستبقى وذكر الله سيبقى.. والذي سنتوقف عنه مؤقتًا هو صلاة الجماعة وهذا ليس من حفظ الدين، حفظ الدين هو الصلاة نفسها، صلاة الجماعة هي من مكملات الصلاة، بينما النفس تتعرض للموت، فالنفس بهذا تذهب والدين لا يذهب.

لم تقتصر المكايدة على حاكم المطيري، بل انبرى عدد آخر من المنتمين للإخوان المفسدين، ففي الجزائر، انتقد رئيس حزب جبهة العدالة والتنمية الإخواني عبدالله جاب الله، ما سماه "تعطيل الجماعات والجمعات"، بقوله: إننا نعيش في زمن عطل الناس فيه العمل بشرع الله تعالى وناصبه معظمهم العداء، وشنوا عليه أنواعاً من الحروب لإبعاده عن حياتهم"!

وفي السياق ذاته؛ استغلت جماعة الإخوان المصرية المحظورة، مأساة انتشار فايروس كورونا بخطاب ديني قالت فيه: "اليوم وقد ظنّ أهل الأرض أنهم قادرون عليها، فاغتروا بقوتهم، وفقدوا إيمانهم بالخالق.. فجاءت هذه الرسالة تحذيراً وتذكيراً للجميع بهذا الوباء.." وبلغ الشر أوجه بأحدهم، فدعا كل من يُصاب بأعراض كورونا إلى نشر الوباء بين المواطنين!

وعندما شرع المغرب في إغلاق أبواب المساجد في الصلوات الخمس وصلاة الجمعة، انبرى شيخ متطرف بالهجوم، ليس على بلاده وحدها بل على كل الدول التي علقت الصلاة حماية لمواطنيها، بقوله: "البلد الذي تُغلق فيه المساجد ولا تُصلى فيه الصلوات الخمس هذا بلد ارتدّ عن دينه وكفر بعد إيمانه، وأصبح دار حرب وليس دار إسلام..".

المثير للاهتمام أن وليتي نعمتهم قطر وتركيا اتخذتا القرار نفسه بتعليق صلاة الجمعة والجماعة في المساجد، لكن ذلك مرّ بردًا وسلامًا على قلوبهم.