عندما يتعرض الإنسان على المستوى الفردي أو على المستوى المجتمعي لحدوث ما يكره فإنه يحاول جاهدا أن يجد تبريرا يستسيغه عقله ويستقيم مع ما يؤمن به من أفكار، ويأتي الدين على رأس هذه النطاقات التفسيرية للعديد من الأسباب، لعل أولها أن الدين، لا سيما الأديان السماوية، تحتوي على مفهوم الغضب الإلهي الذي قد يظهر في الكثير من الصور كالمرض، وقلة الرزق، والحروب، والأمراض والأوبئة.. إلى آخره. ومن السهل بناء على ذلك اللجوء إلى هذا التفسير عن الحاجة.

وثانيهما، أن إدخال الدين في أي أمر يسهل على صاحب الفكرة إقناع الناس بما يريد؛ لأن أي معارضة للفكرة المطروحة سيصور مباشرة على أنه معارضة للدين.

ومع أن حقيقة الغضب الإلهي ثابتة بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، إلا أن هناك ثلاثة أمور بحاجة إلى التنبيه عليها هنا، الأول، أن اعتبار كل مصيبة أو كارثة أو إخفاق معين غضب من الله سيقود إلى إلغاء بقية الأسباب الفاعلة في حدوث الظاهرة، وهذا بدوره يخلق عقلية سلبية غير قادرة على البحث عن أسباب الخلل وابتكار علاج لها. فما دام أن المصيبة أو الإخفاق حدثا بسبب غضب الله فلماذ نبحث عن علاج لها، وهذا أمر فيه خلل، فلو نظرنا إلى هزيمة جيش المسلمين في موقعة أحد وأردنا أن نحدد أسبابها فهل نستطيع أن نقول إنها كانت غضبا من الله! معاذ الله. والرسول صلى الله عليه وسلم على رأس الجيش، إن السبب هنا عسكري يتعلق بترك الرماة لمواقعهم ومخالفة أمر قائدهم.

الأمر الثاني المتعلق بهذا التفسير أنه يجعلنا ننظر إلى جانب الغضب والعذاب الإلهي متناسين جانبا مهما وهو جانب الرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء. فقد كتب الله عزّ وجلّ على نفسه الرحمة وجعلها مضمنة في البسملة باعتبارها آية في سورة النمل، بل جعل الله منها مصدرة لكل سورة من سور القرآن ما عدا سورة التوبة، هذه الرحمة الواردة في بسملة كتاب الله عزّ وجلّ في اسمين عظيمين "الرحمن الرحيم" هي الرحمة المطلقة يقول تعالى مخاطبا جميع الناس: "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون" (يونس 57-58). فلماذا ننسى هذا الجانب المهم وكأن الله لن يرفع البلاء؟

أما الأمر الثالث المتعلق بتصوير كل الأحداث بأنها غضب إلهي والذي يجب الحذر منه فهو أن بعض الأشخاص قد يستخدمون مثل هذا التفسير للوقوف ضد إصلاحات الدولة التي لا يريدونها، فيقذفون بهذا التصوير الديني للتأثير على الناس.

إن وباء كورونا عام على كل الدول، ومن المؤكد أن لانتشاره أسبابا لا تتعارض مع المشيئة الإلهية، فلماذا ننظر له على أنه غضب إلهي علينا؟!