كنت أقرأ كتاب (التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية) لمؤلفه المؤرخ والمحدث الاخباري محمد بن خليفة النبهاني -رحمه الله- الذي حوى تاريخ إمارات الخليج العربي ومنها البحرين ومشيخات العراق، وتاريخ البصرة والزبير، وهو كتاب تاريخ وجغرافيا وسيرة لبعض الأعلام والشخصيات في الخليج والعراق، وإطلالة على النواحي التجارية والاقتصادية والاجتماعية وأحوال الناس في ذاك الزمن، فهو مصدر ومرجع لمن يبحث عن تاريخ المنطقة، وبالأخص أن المؤلف معاصر لبعض الأحداث ولديه سماعات لمن شاهد أحداثاً ووقائع من أناس كانوا شاهدي عصر لهذه الأحداث، فالكتاب له أهميته في تاريخ الخليج العربي، وقد طبع كرات ومرات بعد وفاة مؤلفه الشيخ محمد بن خليفة النبهاني، ويستحق هذا الكتاب الثمين إعادة طبعه وتحقيقه، فهو مدونة تاريخية كتبها مؤرخ ثقة أحسبه كذلك، وقد يخطىء ويبالغ في الوصف بالمدح والثناء والإطراء، لكنها عادة كانت قديمة لبعض مؤرخينا القدامى، والنبهاني منهم، لذلك أحببت أن أكتب عن سيرته وحياته ما استطعت إلى ذلك سبيلاً في هذه السطور.

هو محمد بن خليفة بن حمد بن موسى النبهاني، من مواليد مكة المكرمة عام 1301هـ، استوطن والده الشيخ المهندس والعالم الحيسوب الفلكي الشيخ خليفة مكة لطلب العلم –كما يذكر هو في ترجمته لوالده في كتابه الشهير (التحفة النبهانية) وذلك عام 1287هـ، ومن ذلك التاريخ وأسرة الشيخ خليفة النبهاني في مكة، وكان لوالده الشيخ خليفة على ولده تأثير في حب ابنه العلم، فتربى في هذا الجو العلمي ومناخ العلم والدرس والكتب، فوالده -رحمه الله- كان مدرساً في المسجد الحرام وإماماً للمقام المالكي، وكان الشيخ محمد أكبر أولاده، وأنجب الشيخ خليفة أحمد وهو الذي تولى أمانة العاصمة المقدسة –كما أخبرني الشيخ يعقوب الرشيد -رحمه الله-.

مدرس بالحرم

أدخل الشيخ خليفة ابنهُ محمد المدرسة الصولتية بمكة، وتعلم على مشايخها العلوم العربية والشرعية، والشيخ محمد على مذهب والده المذهب المالكي، وكان يكتب هذا في بعض مؤلفاته، وكان من مشايخه كما يذكر هو - رحمه الله - في كتابه (النخبة النبهانية شرح المنظومة البيقونية) الشيخ المسند فالح الظاهري، وكذا الشيخ المسند شعيب الدوكالي، والشيخ محمد يوسف الخياط، والشيخ عبدالرحمن الدهان، ولا شك أنه قرأ على والده الشيخ خليفة واستفاد منه وبالذات في علم الميقات والفلك، ويظهر هذا في مؤلفات الشيخ محمد، فوالده علامة بالفلك والمواقيت، وهو الذي غاص في بئر زمزم حينما سقط أحد الحجاج في البئر فقام مسرعاً وغاص في البئر واستخرج هذا الحاج، ووصف ما شاهده في البئر كما ذكر ذلك المؤرخ عمر عبدالجبار في ترجمته (سير وتراجم) وكتابه (دروس من ماضي التعليم بالمسجد الحرام)، ولعله من أوائل من غاص في بئر زمزم ووصفها للناس، ويذكر عنه أنه كان راكباً سفينة قافلة من إندونيسيا إلى مكة فأخطأت السَيْر فقام هو - رحمه الله - كأنه قبطان السفينة وضبط سير السفينة بالاتجاه الصحيح لعمق معرفته بسير النجوم، في هذا الجو العلمي نشأ الشيخ محمد واستزاد من العلم على مشايخ الحرم المكي فعاش طفولته وشبابه بين دروس المسجد الحرام والصولتية، وفي بيئة والده حتى أصبح من المدرسين في الحرم المكي على المذهب المالكي، وله مؤلف في الفقه المالكي، وكتابه (النخبة النبهانية) الذي يُعد الوحيد من مؤلفاته المعروف المتداول بعد كتابه الشهير (التحفة النبهانية)، فالرجل محدث وفقيه مالكي وعلى العقيدة الأشعرية.

وقد استمر الشيخ محمد النبهاني يدرِّس في المسجد الحرام مدة من الزمن، ومن المؤكد أن له تلاميذ بالمسجد الحرام، والمؤرخ عمر عبدالجبار حينما ترجم له في كتابيه (دروس من ماضي التعليم) و(سير وتراجم) لم يذكر له تلاميذ كما هي عادته بعدم ذكر التلاميذ، إلاّ أنه يروي أنه استمع لدروس من ترجم لهم، ويذكر نماذج من دروسهم سواء في الحديث أو اللغة أو التفسير؛ لأن الشيخ محمد النبهاني سافر من مكة والمؤرخ عمر عبدالجبار لا يزال صغيراً، فلم يمكنه وصف درسه، فلذلك لم يحضر درس النبهاني.

مغادرة مكة

وسافر الشيخ محمد النبهاني في غرة محرم عام 1332هـ من مكة - كما يروي ذلك عن نفسه في كتابه (التحفة النبهانية) في مقدمة الكتاب ووالده الشيخ خليفة لا يزال في مكة يدرِّس ويعلِّم، سافر إلى البحرين مسقط رأس والده وجدّه، وليس هو بالنكرة في البحرين، ولأن والده قد زار البحرين بعد إقامته في مكة المكرمة، يقول المؤرخ عمر بن عبدالجبار - رحمه الله - في كتابه (من ماضي التعليم): أسفت لفوات سماع دروس الشيخ محمد النبهاني بالمسجد الحرام، لقد هاجر ابن العلامة الشيخ خليفة النبهاني من وطنه مكة ومقسط رأسه إلى جزر الخليج العربي والعراق، فلم يستعذب الراحة ويركن إلى الدعة ولم يندفع وراء الترف وملذاته، وإنما كان يحمل في يده بذور العلم فيخفيها في كل أرض نزل فيها، ويتعمدها بسقيه حتى تنمو وتؤتي أكلها وتتسع لها العقول وتنفتح أمامها الآفاق، ويواصل الكلام عمر عبدالجبار عن النبهاني مثنياً ومادحاً هذه الشخصية، وهو معاصر للنبهاني بل معاصر لوالده العلامة الشيخ خليفة، فهو يكتب عن علم ودراية ومعرفة بالابن والوالد، وليس من المستبعد أنه شاهد الشيخ محمد النبهاني المؤرخ بعد مغادرته مكة في إحدى زياراته لمكة لوالده ولبعض أخوته، ومنهم أحمد - أمين العاصمة المقدسة -، يقول عمر عبدالجبار: ولئن فاتني الاستماع إلى درسه بالمسجد الحرام لم يفتني دراسة كتبه والانتفاع بذخائرها.

مكث الشيخ محمد النبهاني في البحرين وكان قريباً من الأسرة الحاكمة في البحرين آل خليفة - كما يتضح هذا في كتابه (التحفة النبهانية)، بل إنه يعد من أوائل مؤرخي دولة البحرين في العصر الحديث إن لم يكن أولهم، فلا يمكن لمؤلف أو باحث عن تاريخ البحرين الحديث أن يتخطى كتابه التحفة الذي هو تحفة في مبناه ومعناه، وحوى معلومات تاريخية بل اجتماعية لأول مرة تكتب وتنشر.

التحفة النبهانية

ومن أشهر مؤلفات الشيخ المؤرخ محمد النبهاني (التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية)، يقول في مقدمة كتابه: «قد يسر الله في سياحتي إلى جزيرة أوائل غرة محرم عام 1332هـ وحصل لي الامتزاج بحكامها أولي الفضل والمجد الرفيعين، فطلب مني بعض فضلائهم أن أجعل تاريخاً يحتوي على ذكر حكامها الحاليين وملوكها الأقدمين إلى أن قال وسميته: النبذة اللطيفة في الحكام من آل خليفة، وتم تبييضه عام 1332هـ، فتوجهت به نحو العراق لأطبعه»، وذكر بعد ذلك الشيخ النبهاني بالتفصيل قصة الكتاب وأنه غيَّر اسم الكتاب من النبذة اللطيفة إلى «التحفة النبهانية» ليكون عاماً في تاريخ الجزيرة العربية، مع أنه طبع الجزء الخاص بتاريخ البحرين وصادف أن قامت الحرب العالمية الأولى وهو يتواجد في العراق وأغلق الميناء عن طريق الفاو حتى وقعت العراق بيد بريطانيا واحتجر النبهاني أسيراً وسُلبت منه جميع كتبه ووثائقه وشفع له حاكم البحرين الشيخ عيسى آل خليفة لدى بريطانيا وأُطلق سراحه وبعدها عكف على جمع كتابه التحفة مرة ثانية متوسعاً فيه بذكر إمارات الخليج، وذكر البصرة والزبير وأحداثهما وقد طبعه عام 1342هـ - وهي الطبعة الثانية - وطبعت في مصر، والكتاب يقع في أكثر من 400 صفحة، وقد اهتم النبهاني بالصور في كتابه سواءً صور المدن أو صور الأمراء والحكام والأعلام، ومن طرافة الكتاب يذكر بعض الأوليات التي حدثت، فمثلاً يقول: أول مطبعة في البحرين جلبت عام 1334هـ وهي أول مطبعة حجرية، وفي سنة 1337هـ وضعت آلة الرمزة «اللاسلكي»، وفي سنة 1339هـ جلبت القازوز «النمليت» إلى البحرين - أي مشروب غازي.

وقد ختم النهباني كتابه هذا قائلاً: «فإننا نربأ بأنفسنا من ادعاء العصمة من الزلل والخطأ، وجل ما نرجوه من أفاضل الكتاب الغيورين أن يمدونا بآرائهم ويرشدونا إلى مواطن الضعف والخلل لنستدركه في الطبعة الثانية».

شرح سلس وقيِّم

وقد سرد محمد النبهاني مؤلفاته في آخر كتابه (التحفة النبهانية) وذكر مواقع التوزيع وأين تطلب في الجزيرة العربية، مما يدل على أنها مطبوعة في حياته وحياة والده، لكني لم أطلع إلاّ على التحفة، والنخبة النبهانية شرح المنظومة البيقونية، وهذا الكتاب طبع في حياة المؤلف طبعه أحد أسرة البسام على نفقته، كما اطلعت على صورة من هذه الطبعة؛ وهو شرح سلس وقيِّم وهو من أوائل الشروح على منظومة البيقونية في مصطلح الحديث وهي مقدمة في المصطلح للمبتدئين، ولعل هذا الشرح كان من ضمن تدريسه للبيقونية بالمسجد الحرام ونقل في هذا الشرح نقولات طيبة من الشروح الأخرى، وقد قرأته واستفدت منه جزى الله النبهاني خيرا على هذا الشرح المختصر المفيد، وقد ألَّف كتب أخرى، وهي (خلاصة الهيئة النبهانية عن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأدلة العقلية في إثبات الحركة الشمسية حول الأرض سنوياً ويومية).

وكتاب (النيران في التاريخ العام وتخطيط البلدان)، وكتاب (إرشاد السالك شرح أوضح المسالك)، و(فقه نظم العمروسي)، وكتاب (التذكرة النبهانية في وضع الأسامي للمخترعات العصرية) ولعله كتاب لغوي، إضافةً إلى كتاب (ثمرات الخرائط في رسم البسائط)، وهذا الكتاب في المواقيت، وقد عرضه على والده وعرضه على شيوخه، كالشيخ محمد بن يوسف الخيّاط والشيخ عبدالرحمن الدهان، وقرؤوا هذا الكتاب ووافقوه عليه.

وللشيخ محمد النبهاني كتاب ذكر فيه أسانيده وإجازاته أطلق عليه (سلاسل العقيان)، وله كتاب بعنوان (قطف الأزهار في المعادن والأحجار)، وله ديوان جمع فيه شعره، وألَّف تتمة لكتاب (سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب)، بعنوان (مؤسس العزب في تذييل سبائك الذهب في أنساب العرب).

عدالة وعِلم

واستقر الشيخ محمد النبهاني في البصرة وأصبح علماً من أعلامها مشهوراً فيها معروفاً بالعدالة والعلم، وألّف مؤلفاته فيها بعد الاستقرار التام فيها، يقول المؤرخ عبداللطيف الدليشي في كتابه عن الشيخ الشنقيطي: وأما زملاؤه - أي الشيخ الشنقيطي - ومعاصروه في البصرة ومن غير المناوئين فمن أشهرهم الشيخ محمد بن خليفة النبهاني، قصد هذا الشيخ البصره وبقي فيها حتى وفاته عام 1370هـ، وحيث ألّف عدداً من الكتب واشتغل بالتدريس وفتح مدرسة سُمِّيت باسمه، وقد أفردنا له ترجمة خاصة به لما له من أثر حميد وشهرة في دعم الحركة العلمية الدينية لا تقل شهرة عن أهمية وشهرة الشنقيطي في البصرة في هذا المجال - انتهى كلام الدليشي -.

وهذا من المؤرخ عبداللطيف الدليشي عن الشيخ النبهاني قمة الإنصاف لهذه الشخصية الرائدة في العلم وتنوع المعارف والعلوم، فهو سابق عصره، وموسوعي، وألف في التاريخ والأدب، وهو كذلك شاعر، وألَّف في الفلك وفي الأنساب وكتب في الفقه والحديث، وهو رائد من رواد التعليم في العراق الأوائل، وتولى القضاء في البصرة طيلة عقدين من الزمن تقريباً؛ وعن تولي القضاء فلا يتولى القضاء إلاّ من كان له دراية وبالفقه المالكي، وهو أخذ الفقه المالكي من والده الذي ولد في البحرين وغالب أهالي البحرين مالكية المذهب ومازالوا.

وتوفي الشيخ محمد بن خليفة النبهاني في البصرة عام 1370هـ، رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى.

محمد بن خليفة النبهاني في شبابه
محمد النبهاني في رحلة قنص
خليفة النبهاني والد محمد النبهاني في مكة المكرمة عام 1342هـ
من أشهر مؤلفات محمد بن خليفة النبهاني
من مؤلفاته أيضاً