يواصل قطار توطين الوظائف في المملكة مساره بوتيرة سريعة، لا تعرف التوقف أو البطء، وكأنه يسعى لتعويض ما فاته من وقت وجهد ضائعين خلال سنوات مضت. ففي السابق كان مشهد التوطين مزعجاً للغاية، حيث ظهر التوظيف الوهمي، والتلاعب والقفز على الأنظمة والقوانين المُلزمة بالتوطين، وهو ما أسفر عن ترسيخ البطالة الرجالية والنسائية في صفوف المواطنين داخل كل القطاعات الاقتصادية، وظهرت الملفات الخضراء في أيادي الشباب السعودي، الذين طافوا بها على شركات ومؤسسات القطاع الخاص بحثاً عن وظائف شاردة هنا أو هناك، فلا يجدوا سوى القليل والمتواضع منها، في هذا الوقت كانت الكلمة العليا للعامل الوافد الذي سيطر على سوق العمل بمساعدة أرباب العمل أنفسهم، تحت حجج الكفاءة العالية والراتب الأقل للوافد، بالمقارنة مع الموظف السعودي.

وعندما جاءت رؤية 2030، بشمولية أهدافها وعلو تطلعاتها، تغير المشهد كلياً، وبادرت وزارة العمل (سابقاً) بسعودة قطاعات كثيرة بالنسبة الكاملة، وشاهدنا الشباب السعودي رجالاً ونساءً في كل الوظائف وفي كل القطاعات، يؤدون المطلوب منهم في مسعى لإثبات أنفسهم، واليوم تُكمل الوزارة بمسماها الجديد (الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية) مشوار التوطين بسعودة 9 أنشطة جديدة في قطاع التجزئة بنسبة تصل إلى 70 في المائة بعد نحو 5 أشهر من الآن، ولا نملك أمام مثل هذه القرارات سوى أن نشد على أيدي المسؤولين ونبارك لهم خطواتهم التي تصب في صالح الأمن القومي للمملكة، خاصة إذا عرفنا أن الوظيفة في الأهمية، مثلها مثل السكن والمأكل والمشرب، تعزز جانب المواطنة لدى الموطن، وترسخ شعور الأمن الاجتماعي لديه.

ليس لدي شك في أن القائمين على ملف التوطين، يضعون مصلحة المواطن في المقدمة، بدافع وطني بحت، يؤمن بأحقية كل مواطن ومواطنة في العمل والكسب الحلال، ليشاركوا في تنمية وطنهم، وقبل هذا في تأمين الموارد المالية اللازمة للمعيشة، وعلى هذا الأساس بادرت الوزارة بتوطين عشرات القطاعات الاقتصادية التي رأت أن الشباب السعودي قادر على تولي دفة القيادة فيها، ولكن لم تخرج علينا الوزارة بأي تقييم لنتائح التوطين في تلك القطاعات، ولم نقرأ لأي مسؤول فيها تصريحاً يبين لنا درجة "النجاح" أو درجة "الفشل" في كل قطاع اقتصادي حل فيه الموظفون السعوديون، ويكشف لنا آليات معالجة الفشل إن وجد.

أرى أن إعلان تقييم نتائج السعودة وبصفة دورية في وسائل الإعلام مهم للغاية، لأنه يعزز جانب الشفافية والمصداقية التي شددت عليها رؤية 2030، شريطة أن يتبع التقييم معايير دقيقة، لا تعرف المجاملات، ليدرك الجميع إلى أين وصل الموظف السعودي في سوق العمل، يضاف إلى ذلك أن الإعلان يشجع الشباب السعودي الراغب في دخول سوق العمل، على اختيار القطاعات المناسبة لهم، والملائمة لإمكاناتهم العلمية والخبرات العملية.

أقول وأكرر أن السعودة في زمن الرؤية مختلفة عن زمن ما قبل الرؤية، ولا عيب أن نعالج الأخطاء.. لأننا في زمن لا يعترف إلا بالصراحة والوضوح والصدق.