علم الفرائض أو علم المواريث من أشرف العلوم وأجلّها، ولعظم هذا العلم الشريف الخطير لم يكمل تقسيمه إلى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بل تولى الله قسمته في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأجل هذا لم يكن الخلاف فيما قسمه الله عز وجل، بل كان في مسائل قليلة جداً في هذا العلم، لذلك كثرت المؤلفات في هذا العلم، والمكتبة الإسلامية زاخرة بذلك، وأغلبها نثري والبعض نظم شعري لأجل أن يسهل حفظ علم الفرائض، والمشهور نظم الرحبي في الفرائض وهو أشهر أن يذكر، وقد وصفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه نصف العلم، في الحديث الذي أخرجه الإمام ابن ماجه في سننه، وهناك عالم من علماء الفرائض لعبقريته في هذا العلم نسب إليه حيثما يعرف أو يترجم له ألا وهو الشيخ العالم محمد بن سياد الفرائضي - رحمه الله - الذي لا يعرف إلاّ بهذه النسبة الشريفة وأكرم وأنعم بهذه النسبة، حيث نسب إلى هذا العلم لطول باعه، فهو من الراسخين في علم الفرائض وهو مرجع ومصدر لا أعتقد أنه يختلف أحد في هذا، ولقد علت شهرة الشيخ محمد بن سياد الفرائضي بهذا العلم منذ أن استقر بمكة في العقد الرابع من القرن الهجري المنصرمُ أوائل القرن العشرين الميلادي، ولازمه هذا اللقب وأصبح رسمياً بالنسبة له ويخاطب به في هويته الوطنية - التابعية -، ولعله أول شخص ينسب إلى العلم.

رحل ذلك الشاب مشياً على الأقدام وعلى الجمال تارة في رحلة طويلة تبلغ آلاف الكيلومترات بغية التحصيل العلمي، بعد أن تعلم في بلده الأصلي شيئا من العلوم الشرعية واللغة العربية، رحلة تذكرنا برحلات العلم والعلماء وتسترجع ذاكرة التاريخ شرقاً وغرباً ليس إلاّ لأجل العلم، فكان منهم هذا الرجل الذي ترك الأبوين والأهل والعشيرة والأصدقاء بل ضحى بوطنه ومسقط رأسه، خطط ورسم طريقه لهذه الرحلة وهو قرار مصيري قد يكون فيه حتف نفسه وهلكته، لكن صلابة الشاب محمد بن سياد وصرامته لتحقيق الهدف الذي فكر فيه لا بد من تنفيذه على الواقع.علوّ الهمة

كان حلماً وخيالاً لهذا الشاب، وهذا ما يجعلنا نحلل نفسية الشيخ المعلم محمد بن سيّاد حيث إنه لا مستحيل في قاموس حياته، وأنه بقوة الإرادة والعزيمة وقبل ذلك الإخلاص لله - عز وجل - وسؤاله التوفيق تكون العقبات برداً وسلاماً على طلب الطموح وعلو الهمة، بل يأخذنا العجب أن اجتاز هذه الرحلة البرية وهو لا يتجاوز 15 عاماً، في عمر الزهور، ولكن في ذلك الزمن هي عمر الرجل الذي يتحمل كل مسؤولية وتكليف من الأبوين، والناس بزمانهم أشبه به من آبائهم، فيمم إلى الشام وفسلطين، كما يذكر د. محمد بن عبدالله باجودة في كتابه (نثر القلم في تاريخ مكتبة الحرم)، ثم استقر في الأزهر وعاش في مصر وتعلّم على علماء الأزهر دارساً العلوم الشرعية والعربية، وكان يتقن درس الحساب، وتكوينه العلمي الحقيقي في الأزهر المليء بالعلماء، وقد أكسبته الإقامة بمصر ليس العلم فقط بل التعرف على علماء وأدباء، من أشهر الأدباء الذين عرفهم الأديب إبراهيم المازني - رحمه الله -، وتعرّف على الشيخ محمد رشيد رضا وعلى الشيخ محمد منير الدمشقي، ولعلنا نحدد تاريخ هجرته بناءً على تاريخ ميلاده في العام 1307هـ (هجرته في العام 1322هـ).

وبعد دراسة ومتابعة والعكوف على دروس علماء الأزهر طيلة سنوات متتالية نال محمد بن سيّاد هذه الشهادة في العام 1916م وقد زاول التدريس الخاص - كما أشار إلى ذلك صديقه الحميم إبراهيم المازني في كلامه عن رحلته وفي كتابه (رحلتي إلى الحجاز في العام 1351هـ)، وكانت أيام وذكريات يحدث بها أبناءه، كما يروي ابنه د. عبدالحميد، وقد ذكر لي ابنه د. يحيى أن والده يدوِّن يوميات يكتب فيها كل شيء حتى الأشياء الدقيقة والصغيرة لكنها فقدت مع ما فقد من كتبه وأوراقه.

إلى مكة

وبعدما مكث في مصر مدة تقارب العقدين من الزمن توجه الشيخ محمد بن سيّاد الفرائضي إلى المدينة ثم مكة وذلك سنة 1337هـ، وكان قد استقل القطار من الشام إلى المدينة وهي آخر رحلة بهذا القطار، وتزوج حينما سكن مكة وعاش بها وعرف علماءها وأهلها طيلة 23 عاماً، وفي العام 1343هـ عُيِّن في مكتبة الحرم المكي، هذه المكتبة العريقة في القدم، ويذكر د. محمد باجودة في كتابه (نثر القلم) أن الشيخ محمد بن سيّاد قام بإعادة تنظيم المكتبة وسهّل على روادها تداول مقتنياتها واستمر بها حتى صدر أمر ملكي في العام 1347هـ بتعيينه مديراً لمكتبة الحرم، وفي هذه المرحلة يتحدث المؤرخ الجغرافي حمد الجاسر في كتابه (سوانح الذكريات) قائلاً: «وكان يقوم على إدارتها - أي مكتبة الحرم - عالم فاضل يسر كثيراً بما يقدمه لمرتاديها من مساعدة في علمه وفي عمله، إنه الشيخ محمد بن سيّاد»، وأضاف الجاسر: «فاستقر في مصر زمنا وعرف مشاهير علمائها كالسيد رشيد رضا ومحمد منير الدمشقي وغيرهما من دعاة العقيدة السلفية فتلقاها عن رغبة واقتناع»، ثم قال الجاسر: ولقد كان من الخير تلك المكتبة أن أسند إليه إدارتها في وقت كانت عرضة للعبث ولكنه اتخذ من صيانتها أول غاية يوجه إليها كل جهده وما كان له من الأعمال ما يصرفه عن ذلك وكثيراً ما يلجأ إليه بعض الطلبة للاستعانة به في إيضاح مسألة علمية لم يوفها المدرس إيضاحاً فيسارع إلى عونه وإرشاده إلى ما هو بحاجة إليه من المراجع التي لها صلة بما استوضح عنه.

أمانة وعلم

وأكد المؤرخ حمد الجاسر على حسن إدارة الشيخ محمد بن سياد الفرائضي لمكتبة الحرم المكي قائلاً: «لقد كان ابن سياد خير من تولى إدارة المكتبة ممن عرفت أمانةً وعلماً وحرصاً على استفادة مراجعيها مما تحويه من كتب» - من كتاب (سوانح الذكريات) - لقد سلخ الشيخ محمد بن سياد الفرائضي عشرين عاماً من عمره في مكتبة الحرم لم يخرج منها إلا لمنزله أو للحرم المكي، فكان طوال النهار في هذه المكتبة محافظاً أشد الحفظ لهذه الثروة الحضارية من الكتب النادرة والمخطوطات النفيسة، ولا يعرف قيمة الكتب إلاّ من عانى البحث في ذاك الزمن، وابن سياد - رحمه الله - قد خبر الكتب والمخطوطات حينما كان في مصر واتصل بدار الكتب المصرية واطلع على المخطوط منها، وكذلك في المكتبة الظاهرية، واشترى المؤرخ حمد الجاسر مخطوطة (في علل الحديث) ليحيى بن معين من تركة الشيخ محمد منير الدمشقي بالقاهرة، ظاناً أنها نسخة نادرة؛ لأنها كانت بالخط الكوفي غير منقط، لكن اكتشف أنها بخط الشيخ محمد بن سياد الفرائضي، فكان ينسخ المخطوط القديم، بل هو ماهر متقن لنسخ المخطوط من أصله كأنه الأصل، والدليل ما حدث للمؤرخ الجاسر، أضف إلى ذلك أن الشيخ محمد بن سياد كان خطاطاً يجيد أنواع الخطوط ويعلم الخط، فهو موهوب وخطاط وفرضي يجيد لغات مثل الانجليزية والتركية والفارسية، هذا فضلاً أنه أستاذ للغة العربية ومتقن للرياضيات.

نشاط ومثابرة

وقد درَّس محمد بن سيّاد ابنه عبدالله؛ وهو ابنه الأكبر جميع المواد الدراسية من كتابة وقراءة ولغة عربية وحساب وفرائض لمّا كان مديراً لمكتبة الحرم المكي، ولم يدخل ابنه أي مدرسة نظامية لكنه تخرّج من مدرسة والده محمد بن سياد وكان من نتيجة ذلك أنه بلغ مبلغ الرجال، وأعلنت وزارة الدفاع عن دورة عسكرية وأُجري له اختبار فكان أن اجتاز هذا الاختبار بنجاح بناءً على تعليم والده له - كما ذكر لي ذلك د. يحيى بن محمد بن سياد الفرائضي في حديث له معي في منزله -، فكان سخياً بالتعليم فهو يحب أن يعلم من حوله من التلاميذ والطلبة في المكتبة.

وقد نقل د. محمد بن عبدالله بن باجودة في كتابه (نثر القلم) عن الأديب عبدالعزيز الرفاعي قائلاً عن الشيخ محمد بن سياد الفرائضي: إنه أحد رواد المكتبة - أي رائد - بالجد والنشاط والمثابرة وتيسير استخدام أوعية المعلومات بالمكتبة عندما كانت بباب دريبه قرب المسجد الحرام، وكان يلتقي بنخبة من المفكرين والعلماء والأدباء.

وصدر أمر ملكي كذلك بأن يكون الشيخ محمد بن سياد الفرائضي أحد المدرسين والمراقبة في الحرم المكي وذلك بتاريخ 1348هـ فكان يدرس في الحرم - وهذا ما ذكرته جريدة أم القرى عدد 238 بتاريخ 12 صفر العام نفسه - فكان يدرس التوحيد بعد العصر والفرائض بعد الفجر سوى يومي الثلاثاء والجمعة - كما ذكر حفيده حاتم بن عبدالرحمن الفرائضي في نبذته عن جده - وكان عضواً بدار الحديث الخيرية بمكة في العام 1352هـ، وأُدخل ضمن المطوفين بتاريخ 1344هـ.

دار التوحيد

وبعد حياة حافلة بالمكتبة والتدريس بالحرم المكي نودي بابن سيّاد أن يكون أحد الأساتذة في دار التوحيد، والمؤسسين لها، وذلك بتاريخ 1363هـ فكان أستاذاً للغة العربية والفرائض والعلوم الشرعية، وكان مسؤولاً عن سكن الطلبة بدار التوحيد وعن شؤون الطلاب، يتحدث عنه أحد تلاميذه بدار التوحيد وهو الأديب صالح بن عبدالرحمن بن بسام أنه أحد رجال التعليم المخلصين وذوي الأثر الطيب في التدريس، رقيقاً حازماً ومؤثراً، ناجحاً غزير العلم.

وقال الشيخ عبدالعزيز المسند - وهو تلميذ من تلاميذه في دار التوحيد - قائلاً: عندما كنت في المرحلة الابتدائية كان يعلمنا الخط والقراءة، وعندما انتقلنا إلى المرحلة المتوسطة درست الفرائض، وكان - رحمه الله - يتسم بشخصية فريدة، فهو قليل الكلام إلاّ فيما يفيد مستمعه.

يُذكر أن الشيخ عبدالله بن خميس - الأديب والمؤرخ المشهور - كان أحد تلاميذ الشيخ محمد بن سياد الفرائضي، فكانت هذه التلمذة سبباً في زواج ابن خميس بإحدى بنات ابن سياد، فكان أن تخرّجت الدفعة الأولى من دار التوحيد على يد هذا الأستاذ وغيره من الأساتذة، ثم تلاها أفواج وجمهرة من الطلبة والتلاميذ، قرابة العشرين عاماً فكان محمد بن سياد أحد أعمدة وأركان دار التوحيد معلماً وأستاذاً ومؤسساً ومربياً، جاد بكل ما عنده من علم ودرس ونصح لهؤلاء التلاميذ، ونقش اسمه في سجل المعلمين القدامي الأوائل بل الرواد في المجال التعليمي والتربوي، وأسهم بشكل كبير في هذه الدار، والذاكرة الوطنية لن تنسى هذا المعلم الذي أفنى عشرين أخرى من عمره ووقته وصحته بقصد تعليم التلاميذ وخصوصاً علم الفرائض.

سابق لعصره

وحدثني عبدالكريم الفرائضي - أحد أحفاد محمد بن سيّاد -: إن الجد كان يشرح لنا السيرة النبوية، وقد مثّل لنا غزوة أحد بجيش المسلمين كيف كان وجيش الكفار بوضع أعواد الكبريت توضيحاً للمعركة، وحبب لنا السيرة النبوية والتاريخ فهو حسن التعليم، ولعله تعلم طرق التدريس لما كان بالأزهر في مصر، فابن سيّاد أحد المعلمين المهرة، بل هو سابق لعصره وزمانه في طرق التعليم والتدريس، وبهذا ابتكر طريقة في علم الفرائض وكيفية القسمة، وقد نشر حاتم بن عبدالرحمن الفرائضي دروس جدّه في علم الفرائض، وهي دروس كان يعدّها لتعليم أبنائه الفرائض، كما أخبرني د. يحيى وهي من أوائل الطرق وأسهل بوضع جدول لكل مسألة من مسائل الفرائض، وقد سمعت من أحد العلماء الذين درسوا في دار التوحيد يقول إن الشيخ محمد بن سياد الفرائضي يقول: أستطيع أن أعلم كل تلميذ الفرائض باتقان وإجادة بشرط أن يكون عارفاً بالقواعد الحسابية الأربع وهي الطرح والجمع الضرب والقسمة، وتلك عبقرية في التعليم، وهذا الكتاب الذي أعدّه حاتم - حفيد الشيخ ابن سياد - بلغ واحدا وخمسين درساً مسلسلا، وكانت طريقته أنه يبدأ بالآية الكريمة التي ذكرت قسمة الفروض ثم يشرح هذا بأمثلة تطبيقية كما في الدرس الخامس فصل توريث الأم والبنت والابن، وقوله تعالى: «وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ»، ثم يوضِّح بمثال وجدول.

السكن في الرياض

وفي العام 1383هـ تقاعد الشيخ محمد بن سياد الفرائضي بعد أربعين عاماً ما بين مكتبة الحرم والمسجد الحرام مدرساً ومعلماً بدار التوحيد، وقد اتخذ مدينة الرياض سكناً مع أولاده، ولم تستفد المؤسسات التعليمية من علمه وخبرته في التدريس مع مكثه 11 عاماً في الرياض.

وحينما تقاعد لم يكن بذاك الشيخ الهرم المقعد بل كان ذا حيوية ونشاط، حتى أنه كان لا يحب ركوب السيارة، بل يتجول في مدينة الرياض مشياً على الأقدام، وكان يذهب إلى البطحاء ويركب الخيل في مزرعة ابنه اللواء عبدالله بالخرج لأنه تعلم الفروسية وهو صغير.

وفي العام 1394هـ توفي ودفن في مقبرة العود، رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى.

أشكر د. يحيى بن محمد الفرائضي على تزويدي بسيرة والده وحديثه معي ببعض الذكريات، وكذلك أشكر حفيده عبدالكريم الفرائضي على تعاونه وحرصه في أن أصل إلى كل معلومة عن جده.

الشيخ عبدالعزيز المسند أحد طلاب ابن سيّاد في دار التوحيد
عبدالله بن خميس زوج بنت محمد بن سيّاد ومن أشهر طلابه
تولى ابن سيّاد إدارة مكتبة الحرم وتميز بالأمانة والحرص
أحد دروس الشيخ محمد بن سيّاد الفرائضي
كان أحد رجال التعليم المخلصين وذوي الأثر الطيب في دار التوحيد
إعداد- صلاح الزامل