تُعد كلية دار العلوم الشرعية - كلية الشريعة فيما بعد - أول كلية أنشئت في المنطقة الوسطى والشمالية، تأسست في مدينة الرياض يوم أن كانت العاصمة يحوطها سور فيه بوابات تغلق بعد صلاة العشاء، وتاريخ هذا الحدث الكبير هو العام 1372هـ - افتتاح أول مؤسسة تعليمية جامعية نظامية - بعد أن كان التعليم والتلقي في المساجد عبر مئات السنين في منطقة نجد، وكان قبل افتتاح الكلية هو قنطرة جسر لكلية العلوم الشرعية ألا وهو المعهد العلمي، والتحق بهذا المعهد وهذه الكلية فوج من الطلبة والتلاميذ عددهم 22 طالباً، كان من ضمن هؤلاء التلاميذ تلميذ نجيب اجتاز المعهد والكلية بنجاح وتفوق على زملائه وأقرانه؛ ألا وهو الشيخ الأديب والكاتب الصحفي محمد بن عبدالرحمن بن دخيل الذي كان ضمن الدفعة الأولى التي تخرجت من كلية العلوم الشرعية العام 1379هـ، وكان ترتيبه الثامن على دفعته، وكان احتفالاً بهيجاً أقيم على شرف الملك سعود - رحمه الله -، وقدمت لهم الهدايا وكانت عبارة عن ساعات تشجيعاً لهم، وهو كذلك حدث وطني غطته الصحف المحلية في ذاك الوقت، وفي هذه السطور نجسد محطات محمد بن دخيل - رحمه الله - وقد أمدني بهذه السيرة المباركة د. عزام بن محمد بن دخيل نجل الشيخ.

ولد الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن محمد بن دخيل في ثرمداء العام 1349هـ، ترعرع في هذه البلدة طفلاً وصبياً مع أسرته ناشئاً على التدين والأخلاق العربية الأصيلة، وهكذا كانت النشأة القديمة والتربية على هذين الأمرين العظيمين الدين والخلق، وطبيعي أن يدخل الشيخ محمد الكتّاب أو معلم القرية القرآن وتعلم القرآن الكريم في بلدته، وأبجديات القراءة والكتابة ومبادئ العلوم الشرعية.

يقول د. عزام الدخيل عن والده: في سنة 1360هـ توفي والد أبي فتيتم الابن محمد وكان عمره قرابة عشر سنوات، بعد وفاة والده غادر الشيخ محمد بن دخيل الرياض لطلب العلم، وكان ذلك العام 1363هـ فقرأ على العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم في مسجد الشيخ "مفتي الديار السعودية ورئيس قضاتها"، وعلى أخيه الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم في مسجد الشيخ محمد في حي دخنة، سكن مع الطلبة في رباط الإخوان.. انتهى كلام د. عزام.

نقلة كبرى

جلس محمد بن دخيل - رحمه الله - مدة من الزمن يدرس ويحفظ المتون العلمية، وهذه أول رحلة له للدرس وطلب العلم، وكان عمره في الثالثة عشرة أو تزيد قليلاً، ولما فتحت دار التوحيد أبوابها بالطائف كان لدى الشاب الناشئ طموح في التعليم النظامي والاستفادة من هذا التعليم الناشئ المؤسس الجديد فرحل إلى الطائف، وهذه هي الرحلة الثانية لطلب العلم، كان بدار التوحيد نخبة من العلماء من المملكة وخارج المملكة، أمثال الشيخ بهجت البيطار - رئيس ومدير المعهد - وهو ذاك العالم الشهير الموسوعي، كان يدرس الفقه الحنبلي في المعهد، والشيخ محمد بن سيّاد الفرائضي العلامة بالفرائض، والشيخ عبدالله بن صالح الخليفي والشيخ عبدالرزاق عفيفي - رحمهم الله جميعاً - وغيرهم من أساتذة اللغة العربية والبلاغة، فتعلم الشيخ محمد من هؤلاء العلماء والأساتذة، وكان عالماً جديداً بالنسبة إليه لهذا النظام التعليمي الحديث، ولعشقه للدرس والمعرفة كانت دار التوحيد نقلة كبرى له في حياته العلمية، بل الأدبية واللغوية، يوضح هذا ابنه د. عزام في نبذته التي كتبها عن والده قائلاً: فكان الشيخ محمد بن دخيل من أوائل من التحق بها - أي دار التوحيد - واجتهد فيها ودرس العلوم الدينية وعلوم اللغة العربية وآدابها على نخبة من المشايخ والأساتذة من السعودية ومصر، فتفتقت موهبته الأدبية وبدأ بتكوين مكتبة علمية تحوي أمهات الكتب بطباعتها الأولى، واستمر في دار التوحيد حتى حصل منها على شهادة الكفاءة.

وذكر الباحث إبراهيم السيف - رحمه الله - في كتابه (المبتدأ والخبر) أن الذي ساعد الشيخ محمد بن دخيل في الدراسة بدار التوحيد هو شيخه محمد بن إبراهيم، والسيف هو زميل للشيخ محمد بن دخيل في وزارة العدل ويعرفه تمام المعرفة، وهو من أوائل من كتب سيرة وترجمة الشيخ محمد بن دخيل في كتابه هذا، وقد انفرد بها.

انضمام للمعهد

وبعد رحلة الطائف رجع الشيخ محمد بن دخيل - رحمه الله - إلى الرياض عندما علم أن هناك حدثاً كبيراً وهذا الحدث يستهوي رغبته وميوله وحبه للعلم، ألا وهو إنشاء معهد علمي يُعنى بدراسة العلوم الشرعية وقبل ذاك بره بأمه عاد من أجلها، انضم إلى المعهد ثم إلى الكلية وتخرّج منها العام 1376هـ وهي كما قلت أول دفعة وطليعة الفوج الأول من هذه الكلية، وكان متفوقاً في دراسته جاداً فيها، وهكذا كانت حياة الشيخ محمد بن دخيل كلها جد وحزم سواء في طلب العلم أو في حياته العلمية والوظيفية، وكان ترتيبه الثامن على دفعته، وكما نهل من علماء كلية العلوم الشرعية وعلى رأسهم الشيخ عبدالعزيز بن باز والشيخ محمد الأمين الشنقيطي والشيخ عبدالرحمن الإفريقي وغيرهم - رحمهم الله -.

ويروي الأديب الرواية عبدالرحمن بن شعيل - ختم الله له بخير - وكان صديقاً له وزميلاً قائلاً: إن الشيخ محمد بن دخيل كان حريصاً غاية الحرص لما كان طالباً في كلية الشريعة، كان معه دفتر يسجل ويقيد المسائل والفوائد التي يسمعها من الأساتذة والمشايخ في كلية العلوم الشرعية، فكان تحصيله العلمي جيداً وقوياً ويحب أن يفيد ويستفيد، ويضيف ابن شعيل أن الشيخ ابن دخيل كان أديباً ويميل إلى الأدب والشعر ويحفظ الأشعار والقصائد، كنت مرة زرته في منزله ووجدته يقرأ في ديوان المتنبي ومعه زميله وصديقه الشيخ إبراهيم بن عثمان - رحمه الله -، وكانت وفاة الشيخ محمد بن دخيل فجأة، وكان الشيخ محمد يحفظ ديوان البحتري.

كتابة الصحف

وكانت كتابات الشيخ محمد بن دخيل - رحمه الله - في الصحف المحلية مبكرة جداً فلقد كتب وهو لا يزال طالباً شادياً يتلقى المعرفة، يذكر الباحث إبراهيم السيف في كتابه (المبتدأ والخبر لعلماء القرن الرابع عشر وتلاميذهم) أنه كانت له مساهمة في نشر المقالات المفيدة في الصحف والمجلات الداخلية.

وقد كتب في الأدب والتاريخ والنقد، وفي قضايا تتعلق بالوطن والمواطنين وفي الصالح العام، وفي أحداث الساعة وهو يهدف بهذه المقالات والكتابة لإفادة المتلقي والقارئ فيما ينفع ويثمر في الحياة الأدبية أو في النواحي العامة وليس يقصد من هذا القلم الأضواء والشهرة وذيوع الصيت في الصحف المحلية، وكان قلمه سيالاً في الصحافة، وغزيراً ومتدفقاً، وقد شجّعه على الكتابة الصحفية والاستمرار في إمساك القلم الأديب والصحفي فؤاد شاكر - رئيس صحيفة البلاد آنذاك -، وهكذا يكون دعم الموهبة والدفع بها إلى الإثراء والإبداع وليس التحطيم والتجريح، فالذي لديه ثقة في نفسه وعلمه وثقافته لا يمكن أن يكون طارداً للمواهب، والعكس صحيح، ففؤاد شاكر أحد أعلام الصحافة ورائد من الرواد، قد شجّع هذا الشاب حينما شاهد موهبة وكتابة يلوح منها الإبداع والرصانة، فليست كتابة تقليدية أو إنشائية تلميذ يريد فقط سير قلمه في الصحف، ولو لم يشجّع فؤاد شاكر ابن دخيل في الكتابة ولم ينشر له اعتقد أنه لم يستمر في الكتابة.

حس كتابي

وكتب الشيخ محمد بن دخيل في معظم الصحف المحلية فكتب في البلاد وهي صحيفته الأولى، ومنها انطلق وحلق في سماء الصحافة والكتابة، وشارك في صحيفة اليمامة، بل كان أحد أصحاب الأعمدة الصحفية الدائمة فيها، وكان هذا العمود بعنوان «مشكلات على الطريق» وهو عنوان يوحي بمشاهد يراها الكاتب في المجتمع سواء كان في عالم الأدب والفكر أم مشكلة اجتماعية أو اقتصادية، فيطرح المشكلة ثم يعقبه بالحلول المناسبة، ومن عناوين هذه المقالات اليمامية، الركود الفكري، وحول انتعاش الأدب، وهل الفقر نعمة؟، وهؤلاء المتطفلون، وهذه الكتب الرخيصة، وهنا نجد هذه العناوين التي فيها العمق الصحفي والحس الكتابي لصاحب قلم قد تمرّس الكتابة، وخبرها وخبرته فلقد جال وصال في كل زوايا الحرف ولامس بعض الهموم الوطنية.

موهبة وثقافة

لم يكن محمد بن دخيل الأديب المنعزل بكتابته عن الأدب فقط بل إنه عاش واقعه متمثلاً به كعنوان مقالته «وزارة الصحة ولقاح شلل الأطفال» ومقالة «ضرورة إلحاق تعديلات بالأنظمة عند إعادة طبعها»، ومقالة «المواصلات وتطوير المدينة»، وهو يصرح في أحد مقالاته قاصداً ما يكتب في هذه الصحف، ولماذا يكتب؟ قائلاً: ليس من لازم الفكرة أو الرأي أن يكون مقبولاً من جميع القراء، وذلك أن الأفكار والآراء والمقترحات التي تقدم على بساط البحث يحصل لها معارضون، بل ومسفّهون، غير أن هذا يجب أن لا يفت في عضد المفكر.

وذكر د. عزام الدخيل نماذج من كتابات والده، ومنها ما ذكرت ومنه أنقل سيرته كما كتب عن والده الذي كان أحد الكُتّاب الأوائل في الصحافة السعودية، استغل موهبته وعلمه وثقافته وإجادته في إمساك القلم لأجل المجتمع، ولهدف وطني صادق وليس للإثارة ولفت الأنظار إليه، فالقلم أمانة سيُسأل كل كاتب عما كتب وخلّف من كتابة، إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً، وكم من كاتب أهتدي بكتاباته أُناس ودلّهم على فيما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وكم من كاتب منحرف ضل السبيل وضل بسببه أناس، وصدق القائل:

وما من كاتب إلاّ سيــفنى

ويبقي الدهر ما كتبت يداه

فلا تكتب بكفك غير شيء

يـسـرك في القيامة أن تراه

ونحسب أن الشيخ محمد بن دخيل - رحمه الله - ممن كتب لأجل النفع العام لقصد الكلمة الهادفة والطيبة، والسعيد من أدخل السرور على الناس بكلماته الصادقة، وشخَّصَ العيب واقترح الحل.

تجربة رائدة

وقال د. عزام الدخيل عن والده: إنه كان من أعضاء أسرة تحرير صحيفة القصيم وله عمود بعنوان «مجهر الحقيقة»، مضيفاً أن والده كان عضواً في أسرة تحرير مجلة «الجزيرة» - لما كانت مجلة - وكان طابع المجلة طرح مقالات بحثية وليست صحفية، فكان ابن دخيل يكتب في المجلة بحوثاً ودراسات أدبية وفكرية وتراثية، ومنها مقالته «إقليم الوشم في التاريخ» و»النقائض بين جرير والفرزدق»، ودراسة عن كتاب شعراء هجر من القرن الحادي عشر إلى القرن الرابع عشر الهجري، وبين القديم والجديد.

ولو تفرّغ الشيخ محمد بن دخيل - رحمه الله - للصحافة وأعطاها كل وقته لأعطى الكثير، بل لو ترأس إحدى الصحف المحلية لكان مبرِّزاً فيها ولقدّم صحافة تواكب كل جديد حديث مع الطرح الصحفي القوي كما فعل زميله الشيخ زيد بن فياض - رحمه الله - الذي تفرّغ للصحافة وترأس صحيفة اليمامة وجعلها نصف أسبوعية، وكانت نيته أن يجعل اليمامة يومية، فكلا الشيخين؛ الشيخ محمد بن دخيل والشيخ زيد بن فياض، وهما من مدرسة واحدة وتخصص واحد قد أثريا الصحافة السعودية بالكثير من المقالات الدينية والوطنية والاجتماعية، وكانت لهما تجربة رائدة في الحرف والكلمة والإعلام المقروء، مع أن تخصصهما الشريعة لكنهما أبدعا في الصحافة ولم يتخذا الصحافة مغنماً ووسيلة وغرضاً لمصالح شخصية، ولقد أخذني العجب من قدرة الشيخ محمد بن دخيل على التنوع في الكتابة بل مشاركته في كل صحيفة محلية، وبركة الوقت في تسطير هذه المقالات التي تحتاج إلى فكر وتأنٍ ورويّة، وبعضها من المقالات البحثية يضطر الكاتب إلى الرجوع إلى المصادر والمراجع، وفضلاً عن الكتابة في اليمامة والجزيرة كتب في الندوة، وسار قلمه الغزير في صحيفة حراء، وفي مجلة الرائد الأسبوعية.

عطاء سخي

وذكر د. عزام الدخيل عن والده أنه كان يكتب في هذه الصحف والمجلات وبتوقيع، مثلاً الأصمعي، وأبو تماضر، والأحنف، هذا في أول خطواته في الصحافة وبعدها صرّح باسمه.

كانت رحلة طويلة للأديب محمد بن دخيل - رحمه الله - في الصحافة وحري أن تُكتب عنه دراسة إعلامية عن تجربته الصحفية خلال عقدين من الزمن فهو بحق رائد، وهو لم يؤسس صحيفة أو مجلة ولم يرأس رئاسة تحرير إلاّ أنه أغدق على الصحافة المحلية بعطاء سخي من فكره ورأيه وحكمته وتجربته الحياتية.

وأوضح د. عزام الدخيل في نبذته النفيسة والممتعة والفذة عن والده أن له مؤلفين لكنهما لا يزالان مخطوطين؛ وهما: (نظرات نقدية على أمهات كتب التراث) -500 صفحة-، وكتاب هو عبارة عن رحلة قام بها بتاريخ 1 /3 / 1383هـ في منطقة نجد ومنها الوشم، وألّف عن هذه الرحلة كتاباً.

خبرة قضائية

وعيّن الشيخ محمد بن دخيل - رحمه الله - فور تخرجه مفتشاً قضائياً في رئاسة القضاء، ثم تدرّج في السلم الوظيفي الخاص برئاسة القضاء ثم بوزارة العدل، ولكن بدايته برئاسة القضاء، وتعيّن بعدها مساعداً لرئيس التفتيش القضائي العام برئاسة القضاء، ثم قاضي تمييز، وكانت له جولات ميدانية يُكلّف بها من قبل رئاسة القضاء - وزارة العدل فيما بعد - للتحقيق في القضايا والتفتيش على المحاكم، وقد أكسبته هذه الجولات الميدانية خبرة قضائية ونظامية، فهو طالب علم وفقيه، فكان من نتاج ذلك كما يقول د. عزام الدخيل عن والده: إنه اطلع على أغلب القضايا التي ترد إلى وزارة العدل ودرسها واقترح لها الحلول.

مثّل ابن دخيل المملكة في عدد من المؤتمرات والندوات العربية والإسلامية مشاركاً فيها ضمن وفد من وزارة العدل، واشترك مع خبراء الأنظمة واللوائح في دراسة الأنظمة واللوائح التي تُعرض على وزارة العدل في الدول الإسلامية، ومثّل المملكة في الولايات المتحدة وباكستان والمغرب.

وفاة ابن دخيل

وفي تاريخ 29 /9 / 1412هـ غيّب الموت الشيخ والكاتب الصحفي الشيخ محمد بن دخيل عن عمر 61 عاماً، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، معقباً وراءه الكثير من الإرث المعنوي من الخُلق، باذلاً حياته مسخراً كل وقته في خدمة الدولة، كان في قمة العطاء حينما رحل عن هذه الدنيا من حيث العطاء الوظيفي، تاركاً ذكراً جميلاً لمن عرفه وزامله أو صادقه، والذكر الطيب هي الحياة الثانية بعد الموت.

أشكر د. عزام الدخيل على إمدادي بسيرة والده العطرة المشرفة التي تعد من السير الوطنية التي تستحق الاعتزاز بها.

فؤاد شاكر شجّع ودعم محمد بن دخيل في بداياته الصحفية
ابن دخيل كتب في صحيفة اليمامة في زاوية بعنوان: مشكلات على الطريق
أيضاً صحيفة القصيم كتب في إحدى زواياها بعنوان: مجهر الحقيقة
حراء إحدى الصُحف التي كتب فيها ابن دخيل
ثرمداء مسقط رأس محمد بن دخيل وتعلم داخلها أبجديات التعليم
إعداد- صلاح الزامل