مشكلة التاريخ أنه لا يكتب كما حدث بل كما نرغب بحدوثه.. حتى المؤرخ الأمين تجده يميل إلى الانتقائية والاختيار بما يتوافق مع تربيته وثقافته الأم.. والأدهى من هذا أن تزوير التاريخ - والميل به لجانب دون آخر - قد يتحول إلى سياسة دولة ورؤية مجتمع. فكثير من المؤرخين عملوا بتوجيه من حكوماتهم وكتبوا التاريخ بما يتواءم مع سياستها العليا. وكثيراً ما تتبنى "الجماعة" أيدلوجية معينة (اشتراكية أو ليبرارية أو دينية متطرفة) فتكتب التاريخ بما يثبت مصداقية الفكرة وصحة التوجه.

وبمناسبة الإعلان عن التطوير الجديد الذي ستشهده مناهجنا (وهي خطوة تستحق التقدير) أقول بصراحة أنني لست معجبا بالطريقة التي يدرس بها طلابنا التاريخ؛ فبالإضافة إلى حصره في نطاقنا العربي - وعدم توسعه للحضارات الأخرى - لا تجد فيه غير حروب وقتال وغزوات لا تنتهي.. وفي حين نعيب على المستشرقين ادعاءهم بأن الإسلام "انتشر بحد السيف" نتجاهل أننا (نحن) من كتبنا تاريخنا بهذا الشكل وبلورنا هذا الادعاء. فمناهج التاريخ - في المراحل الابتدائية مثلا - تركز على غزوات الرسول وتتجاهل أن معظم القبائل استجابت لدعوته طواعية بعد مراسلته لها. وحين دخلت الشعوب غير العربية في الإسلام عن قناعة وإيمان - بعد وفاته صلى الله عليه وسلم - كتبنا تاريخنا بطريقة توحي لصغار السن بحدوث ذلك بقوة السيف والانتصار في أرض المعركة.

ولكن الحقيقة هي أن ما من قوة تستطيع إقناع أي شعب بإعتناق أي دين {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}. فرغم أننا فتحنا أسبانيا وبقينا فيها لثمانية قرون - ورغم أن العثمانيين احتلوا شرق أوروبا لفترة مشابهة - إلا أن الشعوب هناك لم تتحول للإسلام.. وفي المقابل نلاحظ أن شعوبا كثيرة اعتنقت الإسلام نتيجة الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فالإسلام دخل المدينة واليمن على يد مصعب ومعاذ؛ ثم انتشر في أفريقيا السوداء وشرق الهند بفضل الدعاة المخلصين.. أما شعوب الملايو (في ماليزيا وجنوب الفيليبين وأندونيسيا) فدخلت في الإسلام طواعية بفضل القدوة الصالحة التي مثلها قديما التجار العرب.

وغني عن القول أن الإسلام في ذاته دين فطرة وتسامح واعتراف بالديانات السابقة. وهذه المبادئ لوحدها تجعله قادرا على الانتشار بقوته الذاتية حتى حين تضعف الأمة وتخور عزيمتها.. فهذه الأيام مثلا - حيث لايخفى هوان الأمة - يواصل الإسلام ازدهاره في جميع القارات ويعد أسرع الأديان انتشارا في العالم (فعدد المسلمين حول العالم ارتفع بنسبة 20% بين عامي 1995و 2000فقط- وهذه المعلومة مذكورة في كتاب جينيس لعام 2004). ونحن بلاشك نسيء لهذا الدين حين نتجاهل هذه الميزة ونعلم طلابنا أنه انتشر بقوة السيف والغزو المباشر.. صحيح أن الحروب تشكل جزءاً من تاريخ أي أمة (ولا أحد ينكر ذلك) ولكن حين نوحي لأبنائنا أنها وراء كل مجد وأساس كل دعوة نخاطر بظهور خوارج لايرون غير هذا الجانب. وفي المقابل حين نتأمل كتب التاريخ في الدول الأخرى نجد توازنا أكبر بين مختلف الأحداث والمظاهر التاريخية - بل إن كتب التاريخ في ألمانيا واسكندنافيا تركز بشدة على الإنجازات العلمية والكشوفات الأثرية والجغرافية لترسيخ حب العلم والمغامرة في قلوب الناشئة!!

هذه المرة أتمنى أن تكتب مناهجنا بتوازن أكبر ونظرة أشمل.. ولا بأس في الاطلاع على تاريخ الصين والهند وفيتنام!!