مازلتُ أقول إن نسبية التاريخ التي صدمتني بشدة خلال تجاذبات المواقف بعد هلاك الطاغية سليماني جعلتني أرى أن العرب فشلوا في كل شيء، حتى في القدرة على رؤية "الحق البين"..

لا أنكر أبداً أن العالم الذي كنت أتصوره أو كنت مؤمناً بوجوده هو عالم موجود في مخيلتي وحدي فقط، أو هكذا أعتقد بعد كل ما سمعت خلال الأيام الفائتة بعد مقتل المجرم قاسم سليماني. الصدمة فعلاً أن تكتشف أنك كنت تعيش في عالم واسع من الأوهام، وسبب صدمتي من هذا العالم الذي يفتقر للأخلاق هو، كيف يمكن أن ينسج البعض الحقائق، أو ما يسمى بالحقائق حسبما يريدون ويصنعون منها صوراً مزيفة تتحول إلى حقائق منزلة للبعض الآخر؟، ما سمعته أفقدني الصواب والثقة في كل كتب السير والتاريخ؛ لأن حجم التلفيقات التي سمعت البعض يتحدث بها عن ثقة مفرطة زعزعت إيماني في كل ما قيل وكتب عن التاريخ الذي صرت أنظر له على أنه مجرد حالة نسبية، سأقول إن مقتل غير المأسوف عليه سليماني جعلني آتي بما لم يأت به الأوائل، وهو "نسبية التاريخ" أي أن التاريخ لا يحمل أي حقيقة، بل هو مجموعة من الحكايات التي لا تكاد تصل إلى حقيقة. ما يحدث هذه الأيام يزيدني قناعة أن قراءة التاريخ لا تعني أن ما يقول لنا إنهم أبطال هم فعلاً أبطال، ولا من صنع التاريخ هم فعلاً الذين صنعوا التاريخ، بل هناك من يصنع الأبطال ويصنع التاريخ معهم وقد لا يعرفهم أحد، إنهم من يلفقون التاريخ كي يخدم مصالحهم دون أن يظهروا في الصورة.

لن أقول إنني لم أشعر بسعادة غامرة لمقتل هذا الطاغية الذي عاث في أرض العرب فساداً، وصنع دُمىً يحركهم من العراق حتى اليمن، لكنني في نفس الوقت كنت أشعر بالحزن الشديد قبل هلاك سليماني، فكيف بربكم تحول "الحلم العربي" إلى كابوس، أين الخطأ؟ ماذا حدث حتى ينتقل حلم الخمسينات والستينات إلى حلم مرعب؟ كيف للعروبة أن تتقزم أمام الطائفية، وكيف أصبح ثمن العربي بخساً كي تشتريه دولة "قروسطية" مثل إيران تؤمن بالحرب والتدمير ولا تعي قيمة التنمية والتطوير. فما يسمى بالجمهورية الإسلامية هي ليست جمهورية وبالتأكيد ليست إسلامية، هي مجرد عصابة تعيش في الظلام يقودها مجموعة من الدجالين الذين لا يريدون أن تدخل بلادهم العالم المعاصر إلا من خلال التسلح وإظهار القوة.

مازلت أقول إن نسبية التاريخ التي صدمتني بشدة خلال تجاذبات المواقف بعد هلاك الطاغية سليماني جعلتني أرى أن العرب فشلوا في كل شيء، حتى في القدرة على رؤية "الحق البين"، عندما يقول إسماعيل هنية رئيس حماس، الذي لا يمثل فلسطين ولا الفلسطينيين، إن سليماني "شهيد القدس"، فماذا بقي من القدس حتى يكون مجرم تلطخت يديه بدماء الأطفال والنساء هو شهيدها؟. بصراحة أُصبت باكتئاب شديد وأنا أسمع مثل هذا الكلام الفارغ ممن يدعي المقاومة والجهاد، فمن قامات كبار مثل الملك فيصل والرئيس عبدالناصر الذين حملوا هموم القدس إلى المجرم قاسم سليماني، أي تردٍ وصلنا له، وأي انحدار لكل مفاهيم التاريخ التي نعرفها؟.

العلة من وجهة نظري في الثقافة العربية بشكل عام التي لا تجمعها قاعدة مشتركة، إذ يندر أن تجد مثل هذه التناقضات والتنافر والتضاد في الآراء والمواقف والتوجهات في أي ثقافة أخرى، والذي يبدو لي أنه لا يوجد ثقافة عربية متماسكة منذ أمد بعيد، فقد سقطت مع سقوط بغداد على يد التتار وربما قبل ذلك، وأنه منذ ذلك الوقت بدأ وحش ينمو داخل هذه الثقافة وعمل على تمزيقها وتفتيها إرباً، هذا الوحش هو "الطائفية" و"الفئوية" التي سكنت الجسد العربي واحتلت عقله ولم تعد هناك فرصة حقيقية لإعادته، حسن نصرالله، وبشار الأسد، والحوثي وغيرهم لا يؤمنون بالعروبة ولا حتى بالإسلام، بل يؤمنون بإسلامهم الخاص الطائفي، لذلك فلا غرابة أن تكون الثقافة العربية هي ثقافة التناقض والتضاد.

طبعاً ما ذكرته في الأعلى هو في سياق نسبية التاريخ فلا حقيقة يمكن الركون إليها، ولكن بكل تأكيد إن ما نسمعه أحياناً يجعل حدقة عيوننا تتسع من الاستغراب، في حين نجد أن من يتحدث مؤمن وواثق مما يقول، الحقيقة نسبية لكنها في المدار العربي أكثر نسبية من أي مكان آخر، وربما لن تكون هناك حقيقة في هذا الجزء من العالم الذي يرفض الحقائق ويتلذذ بالأوهام، ولا يريد أن يعيش غيرها.