منذُ زمن بعيد وأنا أتفكر في الآية الكريمة "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً- وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْض" (الرعد:17) فهي آية تشير إلى طبيعة النفس البشرية التي يشدها الأشياء الكبيرة التي يمكن رؤيتها، حتى لو كانت مجرد "زبد" ستطيره الرياح بعد حين يسير..

الوقت الذي نعيش فيه يتميز بصعود "غير المهم" و"الشكلي"، إنه عصر الفقاعات وليس العمل الجاد، خصوصاً في البحث العلمي الأكاديمي. رغم أن هذه الظاهرة الإنسانية قديمة جداً قدم خلق الإنسان نفسه، وأقصد هنا الاهتمام بالظاهر على حساب العمل الحقيقي الذي ينفع الناس، إلا أن هذه الظاهرة تختلف من عصر إلى آخر، وفي عصرنا هذا أصبحت حالة ثقافية تهيمن على كثير من المؤسسات الأكاديمية قبل الأفراد حتى أن العمل الجاد تراجعت قيمته، والمجتهدون أصيبوا بالإحباط، فهم لا يعرفون كيف يصنعون الفقاعات حتى يراهم الآخرون، ولا الآخرون قادرين على رؤية العمل الجاد، إنه مأزق هذا العصر الذي يراه البعض أنه مليء بالرداءة.

منذ زمن بعيد وأنا أتفكر في الآية الكريمة "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْض" (الرعد:17) فهي آية تشير إلى طبيعة النفس البشرية التي يشدها الأشياء الكبيرة التي يمكن رؤيتها حتى لو كانت مجرد "زبد" ستطيره الرياح بعد حين يسير ويذهب جفاء، لكن هذه النفس البشرية لا ترى الأشياء الصغيرة التي تبقى وتتراكم وتصنع الفائدة للناس.. كنت أقول لصديق قبل أيام إنني عملت خلال حياتي على عدد من المشروعات التي أعتقد أنها مهمة، ولم يطلب أو يكلفني أحد بعملها، واشتغلت عليها بصورة موازية لعملي الرسمي الذي كانت تتنازعه الفقاعات المؤقتة، والآن بعد مرور سنوات طويلة لم يبق فعلا إلا تلك الأعمال الموازية التي لم يرها أحد في حينها وأثناء عملها، وكنت أعتقد أنها - حسب استطاعتي ومقدرتي - يمكن أن تكون ذات فائدة ولو يسيرة للناس.

هل الأمر الطبيعي أن يتعلم المرء أن عمله الجاد غالباً لن يراه أحد، ويفترض منه أن يوطن نفسه على هذا الأمر حتى لا يصيبه اليأس؟ هذا التساؤل مبرر، وربما هو نفسه السبب الذي يجعل أغلب الناس ينجرفون للأسهل المرئي الذي يحصد النتائج العاجلة. أي إنسان "طبيعي" سوف يميل لما يشعر أن له تاثيراً آنياً ومباشراً على حياته أكثر بكثير لما له تأثير مؤجل، وإن كان أعمق وأكثر استدامة، هذه هي طبيعة النفس البشرية لذلك فأحد الاختبارات في الحياة هو كيف نوازن بين الآني العاجل والزائل وبين المؤجل شبه الدائم، هذا الاختبار يسقط فيه كثير من الناس خصوصاً في العمل التعليمي الأكاديمي.

أحد الدروس المهمة المستفادة من الآية الكريمة هو "الصبر" وأعتقد أن الفرق بين الجري وراء "الزبد" والفقاعات التي قد تبهر العيون ولا تفيد الناس وبين العمل الدؤوب هو القدرة على تحمل الصبر.  هذا ما يحدد أن يكون المرء قصير أو بعيد الأفق، الصبر فيه مكابدة ومعاناة خصوصاً أن المرء يرى من حوله يقطفون ثمار الطرق السهلة ويتمتعون بنتائج الفقاعات التي تجلب لهم المصالح العاجلة، المشكلة الأساسية في عصرنا هذا أن الناس فقدوا القدرة على الصبر وصاروا يستعجلون النتائج فلم يعد هناك أعمال حقيقية يعتد بها إلا ما ندر، فعندما يفقد الناس القدرة على الصبر فلا نتوقع أن يكون هناك إمكانية حقيقية لبناء مستقبل مطمئن لان الصبر فضلاً عن أنه يعطينا القدرة على مواجهة التحديات، فهو يمكننا من رؤية الأشياء ببطء ووضوح، ولا يوجد بحث علمي مؤثر يمكن أن يحدث تغييراً دون صبر.

مفهوم الرداءة الذي يتنافس عليها عصرنا المتعجل هو ما جعل أكثر الناس تفاؤلاً يرون أن عصر الأعمال الأكاديمية الكبيرة انتهى، وربما هؤلاء لديهم قناعة أنه لم يعد هناك أعمال كبيرة يجب أن تعمل، بل المطلوب هو توظيف تلك الأعمال لتحقيق مكاسب عاجلة، بالنسبة لي مازلت أرى أن الحياة ليس لها قيمة دون عمل حقيقي ينفع الناس حتى لو كان هذا العمل يسيراً، فكلٌ يعمل حسب قدرته، لكن الأعمال التي تبقى غالباً لا يراها أحد أثناء عملها وإنجازها؛ لذلك تحتاج إلى إيمان وصبر، وهذان لا يتأتيان لكل الناس.