أسرة آل الشيخ العوسجي من بلدة ثادق عاصمة إقليم المحمل بيت علم وعلماء، فهذه الأسرة من الأسر العلمية النجدية، التي أنجبت أكثر من عالم وطالب علم، ففي هذه الأسرة خرج الشيخ محمد بن عبدالعزيز، الذي كان أحد قضاة الدولة السعودية الأولى في بلدة ثادق، بل قاضيًا لكافة الشعيب والمحمل وقاضي عمان، وهو من مشاهير العلماء في ذلك الزمن، وابنه الشيخ عبدالعزيز، وهو من طلبة العلم، ولم ينقطع العلم من هذه الأسرة، بل استمر حتى ما بعد منتصف القرن الرابع عشر الهجري، ومن هذه الأسرة الشيخ حمد بن عبدالعزيز بن محمد آل الشيخ العوسجي، الذي هو أحد العلماء في الدولة السعودية الثانية، وكان معروفًا بغزارة العلم في الفقه الحنبلي وعنه تؤخذ الفتوى، لذلك كانت له أجوبة عن أسئلة فقهية في كتاب الدرر السنية، تدل على أنه من فقهاء عصره ومن أستاذة الدرس والمعرفة، وفي هذه الأسطر نكتب شئيًا من حياة هذا العَلم الذي مضت على وفاته - رحمه الله - مائة وواحد عشرون عامًا، ولولا حمله للعلم لما ذكر ولما كتب عنه، ولكنه العلم فأل على أصحابه إذا عملوا به وطبقوه ظاهرًا وباطنًا ووافقت أقوالهم أعمالهم.

ولد الشيخ حمد بن عبدالعزيز بن محمد آل الشيخ في بلدة ثادق موطن أسرته عام 1245ه،ـ كما ذكر من ترجم له وعرف به وما كتبه كذلك الباحث المؤرخ حفيده الأستاذ إبراهيم آل الشيخ، ويذكر أنه تعلم مبادئ القراءة والكتابة في بلده على جده، ويذكر إبراهيم آل الشيخ أنه نشأ يتيمًا، وكفله جده قاضي المحمل والشعيب محمد بن عبدالعزيز في عهد الدولة السعودية الأولى، وآثرت عليه هذه البيئة العلمية، وكان قد تعلم على والده مبادئ القراءة والكتابة كذلك.

العالم والداعية

وكان العصر الذي عاش فيه الشيخ حمد آل الشيخ العوسجي - رحمه الله - هو عصر قيام الدولة السعودية الثانية، وكان الإمام هو تركي بن عبدالله، وكان لتوه قد وحد البلاد، بل إن قيادة الدولة السعودية الثانية قدروا علمه وعرفوا مكانته، فهو عالم وداعية خير وبر وإحسان، ومن المتبحرين في الفقه والعقيدة، كما عاصر الإمام فيصل مرحلة حكمه الأولى، وما حدث من وقائع في نجد، وما بعد رحيل الإمام فيصل بن تركي إلى مصر، وبعد رجوعه في مرحلة حكمه الثانية، التي كانت عهد استقرار في نجد حتى وفاة الإمام فيصل، وما جرى من أحداث ووقائع كبيرة وسقوط الدولة السعودية الثانية، وعند قيام الدولة السعودية الثانية كان الشيخ حمد صغيرًا، لكن شهرته ونبوغه كانت في عهد الإمام فيصل بن تركي والإمام عبدالله الفيصل، وعندما دخل الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - الرياض كان الشيخ حمد قاضيًا ومرجعًا للفتوى في منطقة المحمل، وذلك سنة 1319هـ، واستمر حتى ضُمت المنطقة وأصبحت في حكم الملك عبدالعزيز، لكن وافاه الأجل سنة 1320هـ، فلم يمتد به العمر أثناء توحيد البلاد وكان عمره خمسة وسبعين عامًا.

علم ومنهج

ورحل الشيخ حمد آل الشيخ العوسجي - رحمه الله - إلى الرياض لتلقي العلم؛ حيث آل الشيخ أحفاد الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وذكر الأستاذ المؤرخ إبراهيم آل الشيخ في نبذته التي كتبها عن جده الشيخ حمد، أن جده تلقى الدرس والعلم في الرياض على علماء آل الشيخ وغيرهم من علماء الرياض، وهم: الشيخ عبدالرحمن بن حسن، والشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن، والشيخ عبدالرحمن بن عدوان قاضي الرياض، والشيخ عبد العزيز بن شلوان من علماء الرياض، كل هؤلاء قرأ عليهم في التوحيد والفقه، وأما الشيخ ابن شلوان فأخذ عنه علم الفرائض، ويضيف الباحث والمؤرخ إبراهيم آل الشيخ: وقبل رحيله إلى الرياض كان قد تلقى العلم والمنهج العلمي في تلقيه على الشيخ محمد بن مقرن، وكان أول شيخ له من حيث طلب العلم الشرعي والدخول في عالم العلم والدرس والتحصيل، فلقد لازم هذا الشيخ واستفاد منه، وقد وصف ابن بشر في تاريخه بأن ابن مقرن من العلماء، ثم لما توفي العالم ابن مقرن وتولى القضاء بعده الشيخ عبدالعزيز بن حسن القضاء، قرأ عليه الشيخ حمد واستفاد منه، فالشيخ حمد لم يرحل إلى الرياض إلاّ وهو قد أدرك إدراكًا نافعًا من العلم الشرعي، فهو قد رحل وهو طالب علم منتهٍ وليس مبتدئًا، ولكن - كما يقال - طالب العلم الحقيقي الذي ذاق حلاوة العلم والمعرفة والتفقه في دين الله لا يشبع ولا يتوقف عن طلب العلم، فكان الشيخ حمد من هؤلاء الذين لا يشبعون من طلب العلم، والإمام ابن الجوزي يقول: إن للعلم حلاوة لا يعرفها إلاّ من ذاق.

وأعتقد أن الإخلاص لله في طلب العلم والحلاوة التي يجدها في طلبه للعلم هي التي تدفعه دفعًا شديدًا إلى طلبه والخوض في بحار المعرفة، ويضيف المؤرخ والباحث إبراهيم بن حمد آل الشيخ عن جده الشيخ حمد، أن جده اجتهد حتى صار من كبار العلماء، وفقيهًا واسع الاطلاع، وقد زين ذلك - أي علمه - بالعبادة والزهد.

قوي الجأش

ويعدد المؤرخ إبراهيم آل الشيخ صفات جده الثاني الشيخ حمد آل الشيخ العوسجي - رحمه الله - قائلًا: كان يقظًا فطنًا معدوم النظير في الشهامة والذكاء والديانة والعبادة، كثير الخير، له قدم راسخة في الفتوى، ودمـث الأخلاق، قوي الجأش في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصف الشيخ عبدالرحمن بن قاسم الشيخ حمد في ترجمته في كتابه الدرر السنية/16/436 قائلًا: هو الشيخ الفقيه الزاهد العابد الشهم النبيه.

ويذكر الأستاذ محمد القاضي في كتابه روضة الناظرين 1/96 في ترجمته للشيخ حمد، أنه قد وهبه الله فهمًا ثاقبًا وقوة في الحفظ وسرعة في الفهم حتى صار من العلماء البارزين في زمنه، وهو من بيت علم وكرم وجود.

مهمة القضاء

وبعدما تأهل الشيخ حمد آل الشيخ العوسجي - رحمه الله - بالعلم والمعرفة ولاه الإمام فيصل بن تركي قضاء سدير، واستمر قاضيًا في ولاية الإمام عبدالله الفيصل، ثم بعد ذلك تولى قضاء إقليم المحمل، وقاعدته مسقط رأس الشيخ حمد ثادق، هذا ما ذكره عنه الشيخ عبدالرحمن بن قاسم عن قضائه في كتابه الدرر السنية، وقد تولى القضاء في المحمل بعد شيخه عبدالعزيز بن حسن، يقول عنه الأستاذ محمد القاضي في كتابه الروضة: كانت أقضيته المثال الأعلى في العدالة والنزاهة.

وقد تولى القضاء كذلك في وادي الدواسر، وتولى كذلك قضاء منطقة الوشم، ويذكر الأستاذ المؤرخ إبراهيم آل الشيخ أن للشيخ حمد تلاميذ منهم الشيخ إبراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ، والشيخ علي بن داوود، والشيخ عبدالله بن محمد بن رشيدان، والشيخ ناصر بن محمد آل ناصر الراشد، والشيخ إبراهيم بن عبداللطيف العبداللطيف، وكذلك أخذ عنه ابنه الشيخ محمد إمام الحرم المكي.

وطلب الشيخ إسحاق بن عبدالرحمن من الشيخ حمد آل الشيخ العوسجي - رحمه الله - أن يقدم لكتابه (الأجوبة السمعيات لحل الأسئلة الروافيات)، ولولا قوته ورسوخه في العلم الشرعي، وأنه من العلماء في عصره، لما طلب منه الشيخ إسحاق بن عبدالرحمن أن يقدم لكتابه هذا، والشيخ إسحاق من العلماء.

أبناء حمد

يُذكر أن الشيخ حمد آل الشيخ العوسجي - رحمه الله - قد أنجب عدة أبناء هم الشيخ محمد بن حمد، ويُعد من طلبة العلم، وابنه الثاني الشيخ عبدالرحمن بن حمد من رجال الحسبة، أرسل له الإمام عبدالرحمن خطابًا يحثه على الحسبة، والشيخ سعد بن حمد، وهو الذي يكتب رسائل والده ويقوم بتدريس الطلبة، والجدير بالذكر أن الشيخ محمد بن حمد كان إمامًا وخطيبًا للحرم المكي منذ استيلاء الملك عبدالعزيز على الحجاز، لكنه لم يستمر في الإمامة، وطلب الإعفاء، وهو الجد المباشر لأستاذنا المؤرخ إبراهيم آل الشيخ، أمّا والد الأستاذ إبراهيم فهو الشيخ حمد بن محمد المسمى على جده الشيخ حمد، وهو من طلاب العلم، وقد أرسل مع الجيش الذي أرسله الملك عبدالعزيز للجهاد في فلسطين مرشدًا، وقد أجازه شيخه محمد بن إبراهيم آل الشيخ بالفتوى، وحل أي مشكلات تقع، وقد استقر بالجوف مدة من الزمن - رحمه الله -، وكان ينظم الشعر وله قصيدة شعبية في هذه المناسبة عندما أرسل مع الجيش السعودي عام 1367هـ - 1948م -، والشاعر عبدالعزيز بن حمد آل الشيخ هو من شعراء نجد، وهو أحد أبناء الشيخ حمد، يقول عنه الشيخ عبدالله بن خميس في كتابه تاريخ اليمامة: هو من شعراء ثادق الشاعر الوجداني الرقيق.

نماذج رسائل 

وهذه نماذج من بعض الرسائل التي بين الشيخ حمد آل الشيخ العوسجي - رحمه الله - وبين بعض العلماء ونموذج من إحدى رسائله: من عبداللطيف بن عبدالرحمن إلى الأخ المحب: حمد بن عبدالعزيز - سلمه الله تعالى وتولاه -، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وموجب الخط: إبلاغ السلام والتحية، والسؤال عن أخلاقك المحمية، سلك الله بها منهج الطريقة المحمدية، ولا يخفاك أيها الأخ: حال أهل الزمان، وغربة الإسلام، وندرة الإيمان بينهم، وقد ابتلوا بما رأيت من الفتن والمحن، والتقاطع والتدابر والبغضاء، وصاروا أشتاتًا بعد أن كانوا مجتمعين، وشيعًا بعدما كانوا عليه من الإسلام متعصبين، ونسي العلم والتوحيد، وأقفرت الديار من الناصح الرشيد، وهدم الإسلام، وخلت الديار من ذوي العلم والإفهام، ولا شيء أقرب إلى الله وسيلة، وأرجى من الخيرات فضيلة، من الدعوة إلى سبيله، وإرشاد عبيده، وردهم إلى الله وتعلم دينه وتوحيده، وقد أهلك الله – وله الحمد والمنة – لذلك، ووضع لك القبول فيما هنالك، وقد أجمع الرأي والمشورة على إلزامك، بالدعوة إلى الله، والتذكير بدينه، وتنبيه عبيده على أصل دينهم، وما يجب فيه وعلى ما يضاده وينافيه، من المكفرات والشركيات، وتعطيل الشراع والنبوات، فاغتنم أخي ذلك المشهد، وسارع إليه فإن الجزاء خطير، والثواب كبير شهير.

من حمد بن عبدالعزيز، إلى الأخوين المكرمين: مسعد، وسعد، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد: تفهمون اضطرار العباد إلى ربهم، وأنهم إذا نزل بهم الشدائد، فلا يفزعون في كشفها إلاّ إليه، وقد دعا عباده إلى ذلك ورغبهم، فقال تعالى: «وقال ربكم ادعوني أستجب لكم»، وقال: «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان»، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض»، وقد عزم إخوانكم على الخروج، والاستقساء – إن شاء الله – نهار الاثنين، عسى الله أن يرحم عباده برحمته، وهو أرحم الراحمين.

وفي الختام نشكر المؤرخ إبراهيم بن حمد آل الشيخ على تزويدي بسيرة جده الثاني الشيخ حمد وبعض صور الخطوط لجده، والحق يقال إن المؤرخ الأستاذ إبراهيم يعد مرجعًا من المراجع في تاريخ نجد وأعلامها، بل هو قارئ حصيف وباحث رصين، ونحن استفدنا من مجالسته الكثير من العلم والمعرفة، فجزاه الله كل خير.

الباحث إبراهيم آل الشيخ
من نسخ الشيخ حمد بن عبدالعزيز آل الشيخ العوسجي -رحمه الله-
إعداد- صلاح الزامل