كأنما الخيال ضوءٌ ذهني ينبعث من رؤوس الشعراء وقلوبهم فيحملهم إلى بعيد، ويحلق بهم في الأعالي، ويحقق لهم الوصول إلى أبعد المشاعر كما يُحَلِّق (بساط الريح) الخرافي بمحموليه إلى حيث يريدون..

الفارق أن الخيال ليس خرافياً.. بل هو موهبة راقية أمتاز بها الشعراء والفنانون.. ويوجد عند كُلّ إنسان، ولكنه لدى الشعراء والفنانين أقوى وأمضى وأسرع نفاذاً وأدق إصابة.. لكأنما الشاعر يرى بخياله أرق المشاعر فيصطادها بصوره الملونة التي تنبعث من خياله كضوء ذهني سرى من الكهرباء التي تضطرم في عواطفه..

الخيال ليس خرافة كبساط الريح ولكنه حقيقة نحسها في صور كبار الشعراء، بل إن الخيال يجعل الواقع البعيد واقعاً قريباً، والشعور المبهم الخفي مُجَسَّداً في الوجود، واضحاً كل الوضوح، يجعل المُتَلَقِّي يتأثر به أكثر من تأثره بالواقع نفسه، فالسيدة المترفة التي تقرأ قصتها الخيالية الحزينة وهي على سريرها الوثير محاطة بوسائل الترف والسعادة، تسافر مع خيال القاص، وتتأثر، وتمسح الدموع من عينيها وهي تقرأ المآسي التي صورها قاصها المفضل بخياله، وتتعاطف بشدة مع بطلة قصتها الخيالية ذات الظروف الأليمة، وتود أن تُقَدِّم لها الكثير لو تستطيع، بينما تقبع على بُعْد أمتار قليلة منها، خادمتها المسكينة التي ظروفها بائسة جداً، ومأساتها حقيقية، ولكنها لا تتعاطف معها، ولا تقدم لها غير مرتبها القليل، وتقسو عليها وتنهرها، هكذا يفعل الخيال.. يؤثر أكثر من الواقع..

٭ ٭ ٭

والشعر لدى كل الأمم، وبكل اللغات واللهجات، من فصيح وشعبي، زاده الخيال، وماؤه، وهواؤه، الخيال هو ريح الصَّبا التي تسوق سحاب الشاعر ليُمْطر، وهو الرعود التي تجلد مُثْقَلَ سحابة لينهمر، وهو البروق التي تلمع كالسيوف لتجعل سحاب المشاعر يسيل بتواصل.. فيسعد الشاعر والسامع، كما تسعد الأرض بانهمار الغيث، وكما تُزْهرُ الأرض وتثمر، يزهر خيال الشاعر في قلوبنا زهوراً متفتحة للحب.. مُفْعة بالحياة.. ومع قطرات المشاعر ونداها تتفتح في أعماقنا ورود الإنسانية عن أكمامها، مُخَضلَّة بالندى، مضمخة بالعبير، متعاطفة مع القريب والصديق، بل ومع عابر السبيل، مشتاقة إلى الندى والابتهاج..

الإنسان بلا خيال.. لا شيء.. مجرد لحم.. الإنسان بلا خيال منطفئ.. نظارة بلا عينين..

يقول قيس بن الملوح (مجنون ليلى):

رُعَاةَ الليل ما فَعَلَ الصباحُ

وما فعلتْ أوائلُهُ الملاَحُ

كأنَّ القلبَ ليلةَ قيلَ يُغْدَى

بليلى العامرية أو يُرَاحُ

قَطَاةٌ غَرَّها شَرَكٌ فباتتْ

تُجَاذبُهُ وقد عَلقَ الصباحُ

لها فَرْخَان قد تُركا بوكرْ

فَعُشُّهما تُصَفِّقُهُ الرياحُ

لولا الخيال لكان التعبير هو (حين عرفُت أن ليلى سوف تسافر صار قلبي يخفق ويخفق) ولو كررنا كلمة الخفقان ألف مرة ما كان هناك فنٌ ولا تصوير.. ولا تأثير.. بل كنا ضجرنا وقلنا له: صه!.. اسكت!.. ولكن برق الخيال كهَربَ سحاب مشاعره فصور لن قلبه وكأنه قَطَاةٌ مسكينة أمسك الفخُّ جناحها فصارت تضطرب حتى الصباح لعلها تخرج وهيهات، وزاد الأمر لوعة بالقطاة أن لها فراخاً صغاراً جياعاً - هي عائلتهم الوحيدة - في عش تصافق به الرياح في جُنْح ليل بهيم ينتظرون عودة أمهم وهي تعرف ذلك وتتحسَّر وقد أمسكت كلاليب الفخ بجناحها..

٭ ٭ ٭

ويقول خالد الفيصل:

يا عَلّ قلب ما شكى الحب والتاعْ

تنهار من فوقه محاني ضلوعهْ

ياما نهيت القلب لا شكّ ما طاعْ

ما طاع يَدْلَهْ والليالي تلوعهْ

أثْر المولَّع دمعته تجرح القاعْ

وإلى ذَكر ما فات هلّتْ دموعهْ

يفز قلبي تاليَ الليل مرتاعْ

أخاف تبعد عن ربوعي ربوعهْ

فالخيال جعل الشاعر يجرد قلبه ويخاطبه وينهاه والقلب لا يسمع، سادر في هواه، مُدَلَّةٌ بمحبوبه «يفز تالي الليل مرتاع» خوفاً من فراق الحبيب، والبديل المباشر بلا خيال وهو (أفكر في محبوبي آخر الليل) شتان بينه وبين التعبير المحمول على جناح الخيال:

يفز قلبي تالي الليل ملتاع

أخاف تبعد عن ربوعي ربوعه

وكلمة (يفز) فيها انتفاض كلمع البرق يوحي.. ومع هذا فالشاعر يدعو على الخالين من الحب:

يا علّ قلب ما شكا الحب والتاع

تنهار من فوقه محاني ضلوعهْ

مع أن الحب يقلقه ويجعله (يفز تالي الليل).. لماذا؟ لأن جمال الحبيب كجمال الفن والشعر إذا أروانا زادنا عطشاً..

٭ ٭ ٭

ويحمل بساط الريح السحري الشاعر سعيد عقل إلى اختصار العمر في لحظة:

حلمتْ بك الدنيا وغنَّتْ

أَنجمُ الليل المُطلَّه

أغمضتُ أجفاني عليك

أضُمُّ فيك العمر كُلَّهْ

أي خيال يجعل أنجم الليل تتغنى بها.. أيُّ خيال؟ وكأنما أنجم الليل لم تُطلُّ من عليائها وتومض في سمائها إلا لتحلُمَ بهذه الحسناء!

ثم هو يغمض عينيه ليحلم بها أحلام يقظة، فكأنما يضم فيها العمر كله!

٭ ٭ ٭

ويقول ابن سبيِّل:

لولا الحيا لارقى طويل الرجومي

واصيح صوت كل من حولي أوحاهْ

لاجتني الفَزْعَه تريد العلوم

قلت آه ذا حب الحبيب وفرقاهْ

عليه قلبي بي الأضلاع يومي

أوماي صقّار لطيره ولا جاهْ

فلوعة الحب في قلب الشاعر تدفعه لولا الحياء ليصعد أعلى مكان في بلدته ويصيح بالناس طالباً النجدة.. ولكن النجدة من ماذا؟ من شدة حبه لمعشوقه وخوفه من فراقه، على هذا العشيق قلبه يرتجف ويمشي في صدره بذعر كأنه يد صقَّار يلوح لصقره الغالي ولكن الصقر لا يأتي فيزيد في تحريك يديه بلهفة وخوف.. قلب الشاعر يتحرك في صدره تحرك يدي الصقار.. ولولا الخيال لكان التعبير المباشر (يؤلمني حب هذا الحبيب حتى إن قلبي يخفق بشدة) ولكن الخيال لا يرضى بهذا يبعد عن التعبير المباشر.. يحمل معه المشاعر.. ويسافر..

٭ ٭ ٭

ويقول إبراهيم ناجي:

أمسى يُعَذِّني ويضنيني

شوقٌ طغى طغيانَ مجنون

أبغي الهدوء ولا هدوء وفي

صدري عُبَابٌ غيرُ مأمون

يهتاجُ إنْ لجَّ الحنينُ به

ويئنُّ فيه أنينَ مطعون

ويظلُّ يضربُ في أضالعه

وكأنها قضبانُ مسجون

وَيْحَ الحنينَ وما يُجرِّعني

من مُرِّه، ويبتُ يُسقيني!

ربيَّتُهُ طفلاً بذلتُ له

ما شاء من خفض ومن لين

فاليومَ لما اشتدَّ ساعدُهُ

وربا كنَّوار البساتين

لم يرضَ غير شبيبتي ودمي

زاداً يعيش به ويُضْنيني

كم ليلة ليلاءَ لازمني

لا يرتضي خلاًّ له دوني

مُتَنفِّساً لهباً يَهُبُّ على

وجهي كأنفاس البراكين

ويَضُمُّنا الليلُ العظيمُ وما

كالليل مأوى للمساكين!

هذا خيالٌ يسوق سحاباً ثقيلاً تجلده سياط الرعد وتضربه سيوف البرق فإذا به مطر يتلاحق: فالشوق رباه الشاعر صغيراً فطغى طغيان مجنون، وجرَّعه المُرّ، وامتص دمه، ولم يرحم شيبته، وضرب في ضلوعه بدون خروج كأن ضلوعه للشوق قضبان مسجون، قد سجنت الشوق في الداخل فلا يبرح الصدر، حتى في النوم يضاجع الشاعر ويقض مضجعه ويطير نومه بأنفاسه التي تُشبه أنفاس البراكين، وهو وشوقه مساكين، وما كالليل مأوى للمساكين!!

٭ ٭ ٭

ويقول دبيان:

والله أني على الهزعه غليل الضمايرْ

لو ذلولي من المطراش وان جَهَدْهَا

يا عشيري ترى لولا العيون النظايرْ

كان جيتك على الوجنا الوحيده وحدها

مَشْتَه مَرَّتَكْ لو كان بيعي خسايرْ

من حَسَبْ فايت الدنيا يبذّه عَدَدْها

يا وجودي على هَرْجَة خفي السرايرْ

وجد خَطْوى العجوز اللي توفي وَلَدْهَا

كلّ ما حلَّ له طاري تَهَلّ العباير

وكل ما قيل يا مرحوم تصفق بيدْها

فالخيال حمل مشاعر القائل نحو حبيبه ومراده من الدنيا، فلوعته على لقائه وسماع لذيذ حديثه كلوعة عجوز توفي ولدها، كلما مرّ ذكره هلّ دمعها، وإذا قيل يا مرحوم صفَّقت بيدها من جنون الحزن.. مسكينة هذه العجوز.. ومساكين أهل العشق!