عندما حدثني منصور البسام عن بعض المواقف النبيلة التي حدثت مع الشيخ فراج بن علي العقلا -رحمه الله- وعن بعض مكارم أخلاقه تعجبت، ومنصور البسام عندي ثقة وصادق فيما يقول، وهو يعرف الشيخ فراج تمام المعرفة، وعمل معه في رئاسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرع مكة المكرمة لما كان الشيخ فراج رئيسًا لها، لذلك حرصت على أن أكتب عن هذه الشخصية التي تحلت بمكارم الأخلاق، ومن أعظم هذه المكارم التي كانت في خلق الشيخ بذل المعروف لجميع الناس، والإحسان إلى من يستحق الإحسان، وبسط الكف للفقراء والمساكين، وقبول الشفاعات ممن يشفع في الخير؛ إذ كانت هذه الشفاعة تحت إدارة فراج العقلا، وكذلك شفاعته إذا طلبت منه ذلك، وحينما قرأت سيرته التي أرسلها لي ابنه الباحث والقاضي إبراهيم العقلا، عجبت من هذه المواقف الدالة على المروءة والشهامة ومحبة الخير للناس، بل التواضع والوفاء، إنها حقيقة مكارم أخلاق الشيخ فراج العقلا، التي كانت مغناطيس لمحبة الناس له وانجذابهم إليه، بل رقي تعامله مع من عرف أو لم يعرف صغرت مرتبته أم كبرت، وهذا خُلق عال وسام بأنه لا يفرق في التعامل، مركزًا على مقام هذا أو ذاك، فالبعض تجده ملاكًا عندما يتعامل مع علية الناس، لكن مع العامة تتغير أخلاقه، ولعلنا في هذه السطور نتعرف أكثر على هذه الشخصية الفاضلة، التي تميزت بالقوة والإدارة الحكيمة في العمل الإداري.إدارة وقيادة

هو الشيخ فراج بن علي بن فراج العقلا، ولد في الهلالية بالقصيم سنة 1359هـ، درس الابتدائية وأكملها في مكة المكرمة، وحصل من دراسته على بعض المشايخ الذين درس عليهم علوم الشريعة، فقد درس على الشيخ عبدالله بن يوسف الوابل، وعلى الشيخ المحدث العراقي الأصل الشيخ صالح بن حسين العلي، ودرس على الشيخ ناصر الراشد، كل هؤلاء استفاد منهم وأخذ عنهم، وقد نشأ مع والده فهو من طلبة العلم في ذاك الزمن، لذلك كان الشيخ فراج قد نشأ في بيت علم، فنشأ في هذا الجو، وتنقل مع أبيه حتى عندما عُيِّن والده في مكة المكرمة ثم عسير، وتعلم من والده الشيء الكثير في الإدارة والتعامل مع الناس، وخصوصًا في قضايا الأمر بالمعروف والنهي التي تمس جمهور الناس.

كان الشيخ علي -والد فراج- مساعد الرئيس لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مكة المكرمة، ثم نُقل إلى أبها عام 1373هـ، ومن هذا التاريخ انضم كاتبًا لوالده في أبها، ثم نُقل والده إلى مكة عام 1377هـ، وانتقل معه وتدرج في السلم الوظيفي من كاتب حتى وصل رئيسًا لشؤون الموظفين بالرئاسة نفسها، وتنقل في وظائف حتى صار مديرًا عامًا لفرع مكة المكرمة منذ عام 1411هـ حتى عام 1420هـ وتقاعد بعدها، وقد رُشِّح أن يكون رئيسًا لرئاسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنه اعتذر، وكانت مدة خدمته ووظيفته في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 47 سنة، ما يقارب نصف قرن، تعلم في هذه المدة الطويلة فن الإدارة والقيادة وكيفية معالجة القضايا والمشكلات، ولأن وظيفته تمس جمهور الناس، فلا بد أن يتعامل مع جميع الطبقات وفي مختلف المستويات والثقافات.

عدل وحكمة

ورزق الله الشيخ فراج العقلا -رحمه الله- سياسة التعامل مع مختلف الأفهام، وامتصاص الغضب، وبث الروح الهادئة في نفوس من يخاطب؛ وهذا يتطلب أسلوبًا ساحرًا في الإقناع. والشيخ فراج قد منحه الله السحر الحلال في مخاطبة الناس والمراجعين في مكتبه سواءً كانوا موظفين أو مراجعين وليس فقط ثمة كلام فقط وإرضاء وقتي للموظف أو المراجع، بل يتبع القول الفعل، وإذا لم يستطع الفعل قال: «لا أستطيع»، فهو صادق مع نفسه ومع الناس.

وحدثني الشيخ منصور البسام قائلًا: «إن الشيخ فراج كان قد أصدر قرارًا داخليًا يحق للموظف سلفة من الرئاسة مبلغ خمسة آلاف ريـال مراعاة لظروف الموظفين الذين قد تطرأ عليهم طوارئ، وإذا كان يريد أكثر من هذا المبلغ يراجعه -أي الشيخ فراج-»، ويذكر الشيخ منصور واصفًا الشيخ فراج: «وكان أثناء عمله في جهاز الهيئة مثالًا يُحتذى في النزاهة والتقوى والعقل والعدل والحكمة، نحسبه كذلك إن شاء الله؛ لتعامله مع المجتمع ومع زملائه في العمل، وكان يبذل كل ما يستطيعه في عمل الخير دون ملل أو كلل، ويحاول مساعدة المحتاجين بكل ما يقدر عليه، فهو دمث الأخلاق نقي السريرة لا تأخذه في الله لومة لائم، شديد في الحق».. -انتهى كلامه-.

ومع هذه الصفات ومكارم الأخلاق التي في الشيخ فراج، فهو مرح ذو دعابة مع خاصته، سلس في معاشرته، منطلق في حديثه –كما أخبرني الشيخ منصور البسام الذي عمل تحت إدارته 12 عامًا-، وكتب الشيخ منصور مقالًا عن شخصية الشيخ فراج بعدما تقاعد عن الوظيفة بعنوان: «الشيخ العقلا نعم المواطن ونعم المسؤول» معددًا شمائله وسجاياه وإدارته الحكيمة والرصينة في الرئاسة العامة لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد ختم مقالته هذه بقوله: «تقاعد - حفظه الله - بعد أن خلق تاريخًا مجيدًا في مجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيرة عطرة عند الجميع».

مسؤولية كبرى

وقال إبراهيم بن فراج العقلا عن شخصية والده: «كان -رحمه الله- حكيمًا، حسن الخلق لا يشكو أبدًا مما يحصل، كان يلاقي في حياته مواقف يحصل معها جهل أو غضب، فلا يشكو ولا يتبرم، ولا أدل على هذا أن المجتمع المكي متنوع، ويضم مختلف التوجهات والطبائع والعادات، ما يتطلب معه مرونة ومراسًا وحنكة، وهذا ما حصل، فلقد وفق الشيخ لمحبة الناس وإعجابهم في شخصيته المتوازنة، حتى كانوا يستشيرونه في أمورهم الخاصة والعامة»، ويضيف إبراهيم عن والده: «كان بعيد الأفق والرؤية والنظر في المآلات، وكان موفقًا في آرائه السديدة وعقليته الفذة وفكره الناضج»... -انتهى كلامه-.

والشيخ فراج العقلا -رحمه الله- قيادي من الطراز الأول، وشخصية أمضت 47 عامًا في العمل الحكومي، ولا بد أن يكون نتاج هذا القيادة والإدارة ذات الطابع الراسخ في أعماق فنون إدارة العمل الحكومي، فبعد أن تسلم القيادة الأولى وهي رئاسة شؤون الموظفين قام بتعيين الشيخ عبدالملك بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله- الذي كان أستاذه في العلم والإدارة، واستفاد من حكمته ورزانة عقله، ومن ذلك التعيين أثبت كفاءته القيادية الرائعة، ومن شؤون الموظفين إلى أن أصبح بعد ذلك قياديًا ماهرًا موهوبًا، وأثبت كفاءته في هذا المنصب القيادي المورد البشري –كما يطلق عليه-، وترقى في هذه القيادات الإدارية وعمله في الهيئات كما قلت في جهاز يتصل بالمواطن والمقيم، خاصةً في مكة المكرمة التي يتوافد إليها مئات الآلاف من الحجاج والمعتمرين في موسم الحج ورمضان، فهو أمام مسؤولية كبرى، وإليه المرجع والمآل في هذه القضايا التي لا بد فيها من حكيم ورحيم وصاحب عقل مستنير ومتفهم وراسخ في العمل الإداري.

قصص ومواقف

والشيخ فراج العقلا -رحمه الله- له كثير من المواقف والقصص، ذكرت واحدة منها برواية الشيخ منصور البسام، وهنا يروي إبراهيم بن فراج العقلا بعضًا هذه المواقف والقصص الدالة على سمو أخلاقه وسماحته ووفاءه وتواضعه وبذله للمعروف، يقول: «حدثني المشرف على أعمال الشيخ فراج الخاصة أنه حصلت له ضائقه مالية، وكان يملك أرضًا تقدر قيمتها بـ200 ألف ريال، فأراد أن يبيعها حتى يُسدد ما عليه من دين، وتفاجأ ذات مرة أن الشيخ فراج طلبه وجاءه وقال له: سمعت أن عليك دينًا وتريد أن تبيع أرضك، فقال: نعم، فرد عليه: ولِمَ لَمْ تخبرني؟، ترى أنا ومالي بين يديك، خذ المبلغ سلفة ولا تبيع أرضك».

ومن المواقف برواية إبراهيم العقلا: «أن الشيخ فراج لقي أحد الأشخاص الذين كان يعرفهم قديمًا بعد مدة من الزمن، وهو رجل من أهل الفضل ذو عيال، كبير في السن يقود سيارة قديمة وحالتها سيئة، فسأله عن حاله فعرف أنه محتاج لكنه متعفف، فسعى له عند أحد المحسنين، وتم شراء سيارة جديدة له وكبيرة، وكذلك بعض ما يستعين به على ظروف ومصاعب الحياة».

وهذه القصص من الوفاء وكامل المروءة في الشيخ فراج بل الشهامة في أخلاقه، فذاكرة الوفاء لمن يعرف بطيئة النسيان، والوفاء من أعظم محاسن الشخص في زمن الوفاء للمال وللمصالح.

وموقف آخر وهو أن الشيخ فراج كان قد استدان منه شخص مبلغًا من المال، ولما تُوفي هذا الشخص المستدين، وجدوا عليه ديونًا أخرى فأسقط دينه.

والشيخ فراج يشفع ولا يتردد في الشفاعة عند ولاة الأمر أو عند المسؤولين أو عند ذوي اليسر ورجال الأعمال، وحينما تصفحت الخطابات الكثيرة التي أرسلها ابنه إبراهيم، والتي جميعها شفاعات منه، وكأنه يقول متمثلًا بيت الشافعي:

وجبت علي زكاة ما ملكت يدي

وزكاة جاهي أن أُعِينَ وأشفعا

وهناك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «اشفعوا تؤجروا»، ومن تلك الشفاعات التي صنعها الشيخ فراج أن أحد المقيمين بمكة أصيب بمرض خبيث، وكان لا بد له من إجراء عملية في أحد المستشفيات الخاصة، وكانت تكلفة العلاج مبلغًا ضخمًا، ولم يتمكن المريض من إجراء العملية لضخامة المبلغ وفقر المقيم، ولما علم الشيخ فراج عن حالته سعى في توفير المبلغ، وعولج المريض، كذلك سعى لدى ولاة الأمور لبعض المقيمين في استقدام بعض أفراد أسرهم، حتى إن بعضهم سمى أحد أبنائه فراج محبةً له كما يذكر ابنه إبراهيم العقلا.

فرّاج كرب

يقول ناصر الزهراني في مقالة له: «حينما أكتب عن الشيخ فراج فإنما أكتب عن بُعد النظر وعلو الهمة وثبات الفكر ورزانة العقل وعمق التجربة ونفاذ البصيرة وسياسة المداراة وأسلوب الرفق وحب الألفة، ولقد زرته آخر مرة قبل نحو عشرة أيام من وفاته -رحمه الله- ولقد رأيت في عينيه وقسمات وجهه نظرات الوداع، وأسند إلي وصية وحرصني عليها، وهو يردد: هذه وصيتي لك، هذه وصيتي لك، فقلت له: سمعًا وطاعة، وهي وصية تتعلق بالاهتمام بأمر توسعة لأحد المساجد وإنهاء إجراءاته».

ويلفت عبدالعزيز الحربي إلى أن الشيخ فراج العقلا -رحمه الله- قاضي حوائج، لم أرسل له أحدًا لشيفع له في حاجة إلاّ قضاها بلا تأجيل، فيعود المشفوع له مجبورًا، وينقلب إلى أهله مسرورًا شاكرًا داعيًا في عزة وكرامة، وشفع مرة لأحد إخواننا في أمر عظيم ينوء بالعصبة أولي القوة، فما هي إلاّ أيام حتى بُشِّر بالقبول، فلم يملك أن بكى من عظم ما طفح عليه السرور.

وفعلًا كما قال عبدالعزيز الحربي الشيخ فراج فرّاج كُرب، فهو على اسمه بل هو مفتاح لكل خير ومعروف، وهو من أهل الصنائع للمعروف، وكان يصنع المعروف بصمت لله عز وجل، ومن الذين يحرصون على خفاء العمل؛ لأنه يريد به وجه الله تعالى، ولا يبتغي سمعة ولا شهرة ولا جزاءً ولا شكورًا، وهكذا دائمًا الصالحون المصلحون في القديم، لهم بقية في زمننا هذا، وفي الزوايا خبايا، ولعل كثيرًا من الأعمال الخيِّرة لا يعلمها أحد فعلها الشيخ فراج، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

وفي آخر سنوات الشيخ فراج أصيب بمرض أصبح يعاني منه، لكنه لم يكن يشتكي لأحد، بل صبر واحتسب، ولا غرابة فهو الرجل الصبور صاحب النفس المطمئنة لقضاء الله وقدره، راض بكل ما كتبه الله عليه.

توفي بتاريخ 3/ 11/ 1430هـ في ألمانيا، وصُلِّي عليه في المسجد الحرام فجر الأحد 6/ 11/ 1430هـ، رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى.

نشكر إبراهيم بن فراج العقلا، الذي أمدنا بسيرة والده، وأخلاقه وتعامله الطيب، والشكر موصول لمنصور البسام الذي كان السبب المباشر في كتابة هذه الصفحة.

فراج بن علي العقلا في شبابه
إبراهيم بن فراج العقلا
الشيخ فراج العقلا في إحدى المناسبات
نموذج من كتابات فراج العقلا في المرحلة الابتدائية
صلاح الزامل