في التعاملات المالية قد يضطر الكثيرون إلى التعامل بالبيع بالأجل، رغبةً في توسيع تجارتهم وتخفيفاً على من لا تسعفه الحال في سداد ما يترتب عليه من حقوق في فترة وجيزة، ويتم توثيق ذلك بأوراق رسمية تضمن حق كل طرف، وقد تعترض البعض الآخر عقبات لا يستطيع معها أداء ما عليه من حقوق، سواءً كانت حالة طارئة كتعرضه لخسائر غير متوقعة، أو أن يكون مماطلاً في دفع ما عليه من حقوق، وقد شهد جيل الأمس الكثير من المنازعات التي لم تجد حلاً سوى باللجوء إلى المحاكم التي غصت بالكثير من القضايا بمثل هذا الشأن فطالت الإجراءات وتعددت، واجتهد القضاة في انتزاع الحق من صاحبه بالخصم شهرياً من الراتب للمدينين أو في الحجر على أمواله وبيعها ومن ثم استيفاء حق الدائنين، وكثيراً ما كانت تنتهي خصومات تسديد الديون بالتراضي بين الطرفين التي يقدم فيها صاحب الدّين التنازل عن بعض حقه من أجل أن يضمن ولو رأس ماله، كما كان من يتكبد ديوناً طائلة ولايستطيع سدادها يذهب إلى المحكمة من أجل إثبات ما عليه من دين ومن ثم يستخرج «صك إعسار» كي يحمي نفسه من مطالبة الدائنين، حيث يتم تسديد ما عليه من دين من خلال استقطاع مبلغ مالي من راتبه لا يزيد عن الثلث ومن ثم يوزع على الدائنين، ويتم الرفع باسم هؤلاء المعسرين على الجهات المختصة بسداد الديون عن المعسرين من إمارات المناطق أو الجهات الخيرية التي تتواصل مع الموسرين من أجل المساهمة بسداد بعض الديون عن هؤلاء المعسرين.

وفيما بعد صارت المحاكم لا تصدر «صك» إعسار إلاّ بعد أن يتم تقديم شكوى من قبل الدائنين ضد من عليه الدّين ومن ثم يتم تحويله إلى الجهات المختصة التي تصدر حكماً بسجنه ثم يستخرج له صك إعسار، وبعد أن زادت قضايا الديون وكثرت ظهر تنظيم جديد يضمن حق الدائنين حيث تم استحداث دوائر تنفيذ في المحاكم وجعلت من اختصاصات قاضي التنفيذ بحسب ما نصت عليه اللائحة التنفيذية لنظام التنفيذ بسلطة التنفيذ الجبري والإشراف عليه، ويعاونه في ذلك من يكفي من مأموري التنفيذ، وتتبع أمامه الأحكام الواردة بنظام المرافعات الشرعية ما لم ينص النظام على خلاف ذلك، وجاء قضاء التنفيذ ليزيل الكثير من التراخي والتجاوزات الذي كان يفقد أحكام القضاء هيبتها وقيمتها الحقيقية، حيث كان المتقاضون في السابق يعانون كثيراً في سبيل تنفيذ ما صدر لهم من أحكام ٍ قضائية، وبذلك تم القضاء على ظاهرة المماطلة التي أضاعت الكثير من حقوق الدائنين وأخرت البعض منها، مما قلل من الاستفادة من المال الذي زج به في المداينة مع أناس مماطلون أضاعوا حقوق الآخرين.  

مبدأ الثقة

وفي الماضي القريب شهدت حركة البيع والشراء عمليات بيع بالأجل وكان الكثيرون يبيعون على مبدأ الثقة وقد لا يوثقون عمليات البيع والشراء في المحاكم، إذ يكتفون بكتابة ذلك في دفتر خاص يكون لدى صاحب السلعة فقط، حيث كان الغالبية من المتسوقين يتصفون بالجدية وتحمل المسؤولية ويعرفون ما يقدمون عليه من مغامرة الشراء بالآجل من حيث مقدار دخلهم ومدى التزامهم بما حل عليهم من دين الأصل فيه الضرورة، كشراء بيت للسكن أو سيارة لقضاء الحاجة عليها من مشاوير لازمة في كل يوم دون اللجوء إلى طلب المساعدة من الآخرين واستعارة سياراتهم أو اللجوء إلى سيارات الأجرة المكلفة عند استخدامها بشكل يومي أو استئجار سيارة على المدى الطويل، وكان الكثيرين يسددون عليهم من التزامات في وقتها، ومن ثم يقوم صاحب المال بشطب ما سجله عليه من دين وينتهي كل شيء، لكن وبعد أن توسع الناس في شراء الكماليات التي لا فائدة منها أو الصرف على أمور ثانوية جعلتها الحياة العصرية ضرورة في نظر الكثيرين كالمجاراة في الحفلات أو نمط الحياة اليومي كالسفر للسياحة في بلاد مكلفة مادياً تقليداً للناس، فقد تراكمت على الكثيرين الديون التي لم يعد بوسعهم سدادها في وقتها رغم أن النية مبيتة لسدادها إلاّ أن تعدد أوجه الصرف في الحاجات الأساسية بات أمراً يصعب معه توفير شيء من الراتب لسداد الديون، مما جعل الثقة تهتز في كثير من الدائنين، وجعلت توثيق الديون والمطالبة بها أمراً جدياً، مما أدى إلى كثرة القضايا داخل أروقة المحاكم التي ضاقت بها ذرعاً.

عدم إقراض

وعلى الرغم من إدراك الكثيرين أن «مطل الغني ظلم»، إلاّ أن واقع الناس اليوم مليء بقصص وحكايات المماطلة في أداء الحقوق، خاصةً ما لم يتم توثيقه وهو «السلف»، أي أخذ مبلغ من المال من قريب أو صديق من أجل قضاء حاجة ضرورية ومن ثم إعادته بنفس القدر وهو ما يسمى بـ»القرض الحسن»، فكم تتشابه القصص في مثل هذه المعاملات حيث يأتي طالب القرض منكسراً أمام من يريد أن يقترض منه ويبدي حاجة إلى مبلغ من المال ويطلق الوعود أن يرده في أقرب وقت، كأن يقول: «إلى أن يصرف الراتب في آخر الشهر»، فيقوم صاحبه أو قريبه فيقرضه المال، وفي نهاية المدة التي حددها المقترض يأتي صاحب المال مذكراً فيعتذر إليه المقترض بأنه قد مرت به ظروف ويعده بأن يرد إليه المال الذي اقترضه بعد شهر، ثم يبدأ المقترض يصد عن صاحبه فتمر الأيام والأشهر ولا يحصل صاحب المال على ماله، بل قد يحدث في أحيان كثيرة الاختلاف من أجل ذلك، ويمل صاحب المال ويكره اليوم الذي أقرض فيه ماله، فكم من قروض حسنة مر عليها سنين عديدة ولم تعد إلى أصحابها ودب في أنفسهم اليأس، فلم يعد يطالبوا بها، ومن أجل ذلك فقد آثر الكثيرون عدم إقراض الآخرين، ولو كان أقرب قريب أو أعز صديق حفاظاً على المال من أن يضيع إذا أقرض، ومن تغير المقترض وسخطه إذا تم مطالبته بإعادة القرض.

حفظ المال

وثمة قصة طريفة تؤكد على ذلك ومفادها أنه قد حصلت لأحد الشباب الذي كان في مقتبل العمر عندما فارق قريته لضيق ذات يده للعمل في الرياض منذ أكثر من نصف قرن، وأنه لما استقر به المقام صار يعمل كحرفي بيده ويسكن مع عدد من أمثاله ممن جاءت بهم الفاقة والفقر للعمل، فمرت على هذا الشاب أيام دون أن يجد عملاً يتكسب منه، ففكر في أمره ورأى أنه من الضروري أن «يستلف» بضعة ريالات يصرف فيها على نفسه حتى يعتدل الحال ويجد من كسبه ما يرد هذه السلفة، فهداه تفكيره إلى الذهاب لأحد أقاربه من بني عمومته الذي يسكن في الرياض ليستلف منه المال، فذهب إليه وطرق الباب فخرج ورحب به وسأله عن حاجته فقال: «أريد بضعة ريالات كسُلفة، وسأردها إليك إذا تحسنت الأحوال»، وكان هذا القريب المسن قد عركته الحياة وكان ممسكاً للمال لا يبذله فقال له: «يا ابن أخي المال موجود وأخشى أن أعطيك هذه السلفة، فإذا طلبتها منك فسوف تزعل -أي تغضب-، وإن لم أعطك الآن فسوف تزعل أيضاً، فأنت في كلتا الحالتين سوف تزعل، فازعل من الآن ودراهمي عندي»، وتركه ينصرف دون أن يعطيه شيئاً، فمضى وفيه غصة من هذا الموقف فقد لام نفسه على أن استعان بهذا القريب الذي عرف عنه أنه ممسك ولا يجود بالمال، ولكن هذه هي الحقيقة المُرة، فكثير من الناس يأخذ سُلفة ولا يردها ويماطل وهي قرض حسن ولا يوجد مستند يوثقها سوى الثقة، ولكن الكثيرين أساءوا ولم يحسنوا في رد الجميل، مما جعل الناس تحجم عن إعطاء أي سُلفة رغم مقدرتهم على ذلك حفاظاً على أموالهم من الضياع في زمن قلت فيه الثقة.

ديون متراكمة

وأصبح الكثير من الناس في هذا العصر يبحثون عن الجديد الذي يملأ الأسواق، لكن المشكلة أنه بعد كل هذا التطور الحديث في المنتجات، يجدون أنفسهم مشدودين لكل ما يرد إلى السوق، ويحاولون شراءه مهما كلف الأمر، ومن هنا برز دور الديون والتقسيط بشركاته ومجالاته المتعددة سواء في مجال العقار أو السيارات أو الأثاث أو الأدوات الكهربائية أو أجهزة الاتصال الحديثة أو حتى الزواج والسفر، بل إن بعض المستهلكين يفرح بشراء الجديد بالتقسيط وينسى أنه سيدفع ثمن هذه الفرحة باهظاً اذا لم يستطع التسديد ولن تشفع له إغراءات الإعلان وتشويق الدعاية، فقد تحول التقسيط من حل لمشكلة الحصول على منزل أو سيارة أو علاج أو زواج أو تذكرة سفر إلى دهاليز الترف وحب التباهي والتفاخر، فكانت النتيجة مطالبات قضائية وإفلاس وديون متراكمة، فماذا يفعل المرء إن هو احتاج لمبلغ من المال لشراء سيارة أو أثاث أو أرض في الوقت الذي لا يملك فيه ذلك المبلغ، سوى أن يذهب إلى إحدى شركات التقسيط للحصول على قرض يفي بحاجته، وطبعاً يعود محملاً بنماذج طلبات القروض وقوائم الشروط أو الضمانات، وفي البيت يبدأ المستهلك حساباته التي تشاطره مأكله ومشربه، معتمداً على مظاهر الإفادة التي أخذها من شركات التقسيط ويبدأ في مقارنة العروض والخيارات التي أمامه ليستفيد من أي خفض في نسبة العمولة، وحين يسأل المستهلك أحد العاملين في مجال التقسيط عن النسبة يأتي الجواب بكل حنان وصدق: «نحن نأخذ 10% فقط»، ومن ثم فلا يملك إلاّ الدعاء لشركات التقسيط التي يسرت للمحتاجين هذه المبالغ، فيقضي هذا المقترض مدة طويلة في تسديد قرض لم يستفد منه إلاّ في أشياء كمالية لا يرى لها أثراً بعد أداء ما عليه من حقوق مالية إن لم يعجز عن سدادها أصلاً.

دوائر تنفيذ

وبعد أن كان الناس في السابق يعانون كثيراً في سبيل تنفيذ ما صدر لهم من أحكام ٍ قضائية، خاصةً فيما يتعلق في المالية منها، مما يدخل الكثير من التراخي والتجاوزات والقصور الذي كان يُفقدُ أحكام القضاء هيبتها وقيمتها الحقيقية، فقد تم استحداث دوائر للتنفيذ في المحاكم الشرعية بمختلف المدن والمحافظات، حيث تؤلف محكمة التنفيذ من دوائر متخصصة، وتتكون كل دائرة من قاضٍ فرد أو أكثر، وفق ما يحدده المجلس الأعلى للقضاء، وفي المحافظات والمراكز التي لا يتوافر فيها محكمة تنفيذ تؤلف في المحاكم العامة دوائر للتنفيذ، وتختص محكمة التنفيذ بتنفيذ السندات التنفيذية، من الأحكام والقرارات والأوامر الصادرة من المحاكم، وأحكام المحكمين المذيلة بأمر التنفيذ وفقاً لنظام التحكيم، ومحاضر الصلح التي تصدرها الجهات المخولة بذلك، أو التي تصدق عليها المحاكم، وكذلك الأوراق التجارية، والعقود والمحررات الموثقة الأحكام، والأوامر القضائية، وأحكام المحكمين، إضافةً إلى المحررات الموثقة الصادرة في بلد أجنبي، والأوراق العادية التي يقر باستحقاق محتواها كلياً أو جزئياً، والعقود والأوراق الأخرى التي لها قوة سند التنفيذ بموجب نظام، كما أن لمحكمة التنفيذ سلطة التنفيذ الجبري والإشراف عليه وتختص بالفصل في منازعات التنفيذ مهما كانت قيمتها، وفقاً لأحكام القضاء المستعجل، ويمكن لمتصفح الصحف اليومية أن يرى وبوضوح العشرات من إعلانات قضاء التنفيذ في كل صحيفة، مما يدل على أن الحفاظ على الحقوق والمطالبة بها يتم في أسرع وقت، خاصةً المطالبات المالية التي كبحت جماح المماطلين.

المحاكم هي الطريق الأول لتحصيل الحقوق المالية
توثيق المبايعات والديون حفظت الحقوق قديماً
الديون غير الضرورية أدت بالكثيرين إلى السجن لعدم الوفاء