هناك الكثير ممن شارك في توحيد هذه البلاد ووحدتها وبذلوا أرواحهم في سبيل تحقيق ذلك، منهم من قتل وذهبت نفسه وبقي اسمه في سجل الشرف خالدة ذكراه، ومنهم من امتد به العمر ورأى وشاهد وشارك في هذه المعارك، وكان شاهداً على عصر إعلان وتأسيس المملكة على يد المؤسس الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه -، وما بعده من تطور، ومن هؤلاء الأبطال الشجعان المشهورين بالإقدام والبأس البطل والفارس والخيال الشيخ موسى بن طياش - رحمه الله - الذي كان أحد المشاركين مع الملك عبدالعزيز في بداية انطلاقته وحتى إعلان الدولة، ولم يتوقف عن العطاء والتفاني في خدمة وطنه، بل دأب يعمل مع قيادة الدولة بكل إخلاص وصدق وأمانة وتفانٍ ومحبة، بل حتى في أثناء التوحيد وخوض المعارك، كان وزير صدق لكثير من الأمراء منذ العام 1319هـ وتنقل بينهم، وعرفت عنه الكفاءة في تدبير الأمور والحكمة في التصرف والإدارة الحسنة فيما يوكل إليه من مهام وقضايا، لذلك اكتسب هذه الثقة، وكان على قدرها عند من عمل معه، وإذا قيل للرجل ثقة فهي من أعظم لقب وأحسن صفة، حيث تعني الأمانة والعدالة والصدق في أقواله وأفعاله، وهكذا كان الشيخ موسى بن طياش طيلة حياته التي امتدت أكثر من مئة عام لم يعرف عنه إلاّ الخير والإحسان.

وُلد الشيخ موسى بن طياش في مدينة الرياض العام 1290هـ كما يقول الرواية الثقة والمؤرخ لسيرته وصديقه وصهره الشيخ صالح بن عبدالله الحوطي - رحمه الله -، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة والقرآن الكريم، وكان والده الشيخ عبدالرحمن بن طياش - رحمه الله - من الذين كان يعتمد عليهم الإمام عبدالرحمن بن فيصل - والد الملك عبدالعزيز - قبل أن يرحل إلى الكويت، فهو من ثقات الإمام، كذلك عند أهالي الرياض القديمة، بل هو معروف عندهم، وكان له اتصال بالإمام عبدالرحمن بن فيصل وهو في الكويت، فهو من الأوفياء الصادقين.

تمويه ذكي

في العام 1318هـ كان الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- قد حاصر الرياض -المحاولة الأولى-، وبعدها بعام رجع ودخل الرياض، وفي المرة الثانية قابل الملك عبدالعزيز عبدَالرحمن وابنه موسى وأخبرهما بعزمه على دخول الرياض -كما يقول المؤرخ صالح الحوطي-، حيث إن إخباره لهما بذلك يؤكد ثقته فيهما.

ويروي المؤرخ الحوطي: أن عجلان -أمير الرياض آنذاك- سأل موسى بن طياش عن الملك عبدالعزيز وأنه سمع أنه خرج من الكويت ومعه ناس من البادية، فموَّه موسى الأمر على عجلان وضعَّف من شأن الملك عبدالعزيز ومن الرجال، وهذا من ذكاء وحسن تصرف، إذ لو عظّم من جيش الملك عبدالعزيز لاستعد له عجلان بكل ما أوتي من قوة، مع أن عجلان كان محتاطاً على نفسه فكان لا ينام إلاّ في المصمك، وتصرف موسى بن طياش لهو أول عمل وطني يحسب له وينقش في سجله المشرف البطولي.

رواية وشاهد

وشارك موسى بن عبدالرحمن بن طياش في معظم المعارك مع الملك عبدالعزيز من بعد ضم الرياض سنة 1319هـ، ومن جانب آخر فإن عبدالرحمن وابنه موسى قد شاركا أهالي الرياض في بناء سور الرياض، كانت الانطلاقة الأولى لموسى هي معركة السلمية سنة 1320هـ، وكان عمره ثلاثين عاماً، ثم تلا ذلك معركة السر في العام 1321هـ، وفي هذا العام تحديداً شارك في أكثر من معركة، وفي العام 1322هـ شارك في ضم ثرمداء، وفي العام 1322هـ كان ضمن الجيش في ضم عنيزة وفي نفس العام شارك في ضم بريدة، وفي معركة البكيرية التي قتل فيها الكثير من أهالي الرياض والعارض كان البطل موسى بن طياش بمعية الجيش الذي يقوده الملك عبدالعزيز، وقد ذكر المؤرخ الأمير سعود بن هذلول في كتابه (ملوك آل سعود) مشاهير القتلى في هذه المعركة من الرياض، والمؤرخ الأمير سعود بن هذلول عاصر الكثير من المشاركين في هذه الغزوات الذين بقوا على قيد الحياة ومنهم الشيخ موسى بن طياش وإخوانه، فهو ابن بلدته الرياض وليس ببعيد أن المؤرخ الأمير سعود قد سمع من موسى شيئاً من أحاديثه عن المعارك التي شارك فيها، وهو راوية وشاهد عصر وعيان لتاريخ هذا الوطن، وقد سجل شيئاً من أحاديثه صهره وصديقه المخلص الراوية والمؤرخ صالح الحوطي، وليته كتب كل هذه القصص والروايات التاريخية؛ فموسى قد عمّر عمراً مديداً وشاهد عصورا وأزمنة ومعارك كثيرة، ففي كل معركة قصة، بل قصص، وعندما سمعت ابن أخته الشيخ عبدالله بن صالح الحوطي يروي بعضاً من مواقفه علمت أن موسى من الرجال الأشداء الأقوياء والأمناء، الذين جمعوا بين الشجاعة والشهامة والكرم والدين.

في العام 1324هـ شارك موسى بن طياش في معركة روضة مهنا، ثم شارك في معارك أخرى بعدها مثل معركة الحريق الأولى، ثم معركة الحريق الثانية، وكان أخوه محمد بن طياش مشاركاً في هذه المعركة وقد أصيب فيها وشارك في ضم الأحساء العام 1331هـ، وشارك في معركة كنزان العام 1333هـ وكذلك معركة جراب في نفس العام.

31 عاماً

وحينما نتتبع المعارك نجد أن الشيخ موسى بن طياش لم تفته معظم المعارك مع الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- أو مع أحد القادة من أبناء الملك عبدالعزيز وغيرهم، وبالذات المعارك التي حمي وطيسها في نجد، الجدير بالذكر أن أخوي الشيخ موسى بن طياش محمد وسعد شاركا في معارك كثيرة وقد أُصيب أخوه سعد بن طياش -رحمه الله- في معركة كنزان، كانوا أخوة أبطالا، طبعاً موسى كان أشهرهم، وهم سبعة كرام أبناء عبدالرحمن بن طياش، وهم: موسى، محمد، سعد، ناصر، فهد، عبدالله، عبدالعزيز -رحمهم الله-.

ولم يغب موسى عن معركة تربة سنة 1337هـ بل شارك فيها وكانت معركة شهيرة، كذلك شارك في ضم حائل العام 1340هـ، وانضم إلى الجيوش التي ضمت الطائف العام 1343هـ ثم بعدها معركة الرغامة وحصار جدة العام 1344هـ، وحج ذلك العام مع الملك عبدالعزيز، وفي معركة السبلة كان من المشاركين العام 1347هـ، وكانت آخر أعماله البطولية هي انضمامه إلى الجيش في حرب اليمن العام 1351هـ.

هذه هي مسيرة الكفاح والبطولة للشيخ موسى بن طياش الذي شارك في 27 معركة من العام 1320هـ حتى العام 1351هـ –حتى إعلان اسم المملكة العربية السعودية-، أي 31 عاما والبطل موسى بن طياش تحت راية الملك عبدالعزيز، وفوق صهوة جواده متأبطا سيفه وبندقيته، حيث كان عمره في أول مشاركة له ثلاثين عاما، وفي آخر مشاركة له كان قد بلغ 60 عاما أي أنه قد بلغ المشيب، وقد ذكر كل هذه المعاركة المؤرخ صالح الحوطي ورتبها د. خالد الطياش حفيد موسى الطياش الذي تربى على يده وله معه ذكريات الطفولة، وهو الذي أمدنا بهذه المعلومات عن جدّه خاصةً مذكرة الراوية المؤرخ صالح الحوطي عن جده.

رجل أمانة

وفي العام 1319هـ بعد أن دخل الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- الرياض أصبح موسى بن طياش وزيراً عند سمو الأمير محمد بن عبدالرحمن مدة يسيرة، ثم في العام 1320هـ، صار وزيراً عند الأمير عبدالعزيز بن جلوي ولازمه أربع أعوام في الحضر والإقامة مع المشاركة في الحروب والغزوات، وفي العام 1324هـ انضم وزيراً عند سمو الأمير سعد بن عبدالرحمن حتى وفاة سعد سنة 1333هـ، وبعد هذا التاريخ أمره الملك عبدالعزيز أن يكون عند ابنه سمو الأمير تركي بن عبدالعزيز -كما ذكر الراوية المؤرخ صالح الحوطي- حيث قال رحمه الله: ثم أمر عليه -أي موسى بن طياش- الملك عبدالعزيز أن يكون عند ابنه تركي بن عبدالعزيز وزيراً، وراح مع تركي للقصيم العام 1334هـ، 1335هـ، 1336هـ، وتوفي تركي عام الرحمة -سنة الوباء- المعروفة العام 1337هـ، ثم أمر الملك عبدالعزيز أن يكون وزيراً عند ابنه سعود -رحمه الله- من العام 1337هـ ولازم الملك سعود حينما كان أميراً وصحبه في غزواته.

من هذا التاريخ العام 1337هـ وهو وزيراً للملك سعود حينما كان أميراً وولي عهد ثم أصبح ملكاً مع مشاركته في الغزوات، فابن طياش يُعد من فرسان أهالي الرياض، وهو فارس في الحرب والغزوات ووزير في السلم مع القوة والأمانة، قوة في المعارك وقوة فيما يوكل إليه من مهام وما يكلف من أمور، ولقد صحب موسى الملك سعود في سفرته إلى مصر العام 1345هـ، ويؤكد المؤرخ صالح الحوطي في نبذته التاريخيه قائلاً عن موسى بن طياش في كلام ما معناه حول وزارته للأمراء: إنهم كلهم كانوا واثقين فيه وراضين عليه، لم يجدوا عليه شيئا يخل بالأمانة والشرف، حتى إنه إذا جاء إلى الملك عبدالعزيز في حاجة قال له الملك: «اكتب ما تريد وأنا أوقع على الورقة؛ لأنني واثق منك وأعلم أنك ما تراجع إلاّ في شيء محق فيه» -هذا كلام المؤرخ صالح الحوطي نقلاً من كلام وحديث الشيخ موسى بن طياش الذي أملى عليه هذه الشهادة من الملك عبدالعزيز وهي شهادة لموسى بأنه رجل صدق وأمانة-.

ولازم الشيخ ابن طياش الملك سعود 40 عاماً من العام 1337هـ حتى العام 1377هـ، وكانت وظيفته عند الملك سعود حينما كان ولياً للعهد وملكاً رئيس الخزانة الخاصة، وهو ما يؤكد على أنه شاهد عيان وعصور لتاريخ هذا الوطن وذاكرته خزانة لا شك أنها تحوي الكثير من حكايات كل رجالات هذا الوطن الكبير.

عشاء الفقراء

وتحدث د. خالد بن عبدالعزيز بن موسى الطياش عن جدّه قائلاً: عشت مرحلة الصبا والطفولة مع جدي موسى بن طياش لأن والده عبدالعزيز توفي وهو شاب -رحمه الله- لذلك تربى على يد جده وعرف شخصيته، مضيفاً: «في شهر رمضان كان الجد موسى بن طياش يفتح بيته للفقراء والمساكين بعد صلاة المغرب، حيث يقدم لهم العشاء ويفرغ الدور الأرضي لهم، وكان يذهب لأداء صلاة المغرب قبل أذان المغرب بنصف ساعة ويبقى في المسجد إلى ما بعد صلاة العشاء بنصف ساعة، وهو كثير القراءة للقرآن الكريم، حيث يختم القرآن كل أسبوع ويفرح كثيراً بيوم الجمعة ويلبس أفضل ملابسه وكأنه يوم عيد عنده»، ذاكراً موقفاً مفاده أن مصلحة المياه أخذت جزءا من مزرعته وتم نزع الملكية إلاّ أن استلام القيمة تأخر كثيراً، وفي إحدى مقابلاته للملك فيصل -رحمه الله- أخبره بذلك، وأمر الملك فيصل إلى المسؤول وأمر بالاستعجال لصرف المبلغ، وقال الملك: استعجلوا بصرف المبلغ إلى موسى فإنه سيصرف كامل المبلغ في بناء مساجد. -انتهى كلام د. خالد الطياش-، وفعلاً بنى عدة مساجد في الرياض، ومسجده الذي بجوار منزله في عليشة.

أسرة آل عبيّد

والجدير بالذكر أن موسى بن طياش ينتمي إلى أسرة آل عبيّد –بتشديد الياء- وهم أسرة كان لهم دور بطولي في الدولة السعودية الأولى فقد قتل منهم اثنان إبان معركة الدرعية وهم إبراهيم بن عبيّد وموسى بن عبيّد، ومنهم محمد بن عبدالله بن عبيّد من أهل الصفرات الذي قتل أحد قادة سرايا أحد الجيوش بعد حرب الدرعية، ومنهم الشجاع سعد بن عبيّد من أهالي ملهم الذي كان مع الملك عبدالعزيز حينما ضم الرياض العام 1319هـ، ومنهم كذلك عبدالله بن عبيّد الذي كان أميناً للصندوق الخاص للملك عبدالعزيز -والد الفنان التشكيلي سعد- الذي حدثني بهذه المعلومات عن أسرة آل عبيّد الذين منهم آل طياش أهل الرياض.

وأخيراً للشيخ موسى بن طياش عدة أبناء منهم: عبدالعزيز، حسن، عبدالله، صالح، وتوفي رحمه الله العام 1392هـ في شهر ذي الحجة.

الشكر والتقدير والعرفان للدكتور خالد الطياش الذي لم يبخل علينا بأي معلومة وبالذات نبذة المؤرخ صالح الحوطي، وكذلك الشكر للشيخ عبدالله بن صالح الحوطي الذي حدثني عن خاله بحديث ممتع.

د. خالد بن عبدالعزيز بن موسى بن طياش
بقايا بيت الشيخ موسى بن طياش بالحلة الداخلية في الرياض
سبحة مُهداة للشيخ موسى بن طياش من الملك سعود -رحمه الله-
حفيظة نفوس موسى بن طياش
مسجد الحلة الداخلية بحي الديرة في الرياض شارك في بنائه ابن طياش العام 1383هـ
صلاح الزامل