كثيرون يفهمون عن الاقتصاد الحر مفاهيم عائمة.. تعني تقريبا بانه «اقتصاد سائب» أو «شبه سائب» فالحرية عند هؤلاء تعني الخلاص من القيود والحدود..

وهذا ليس صحيحاً.. لا في مفهوم الحرية ولا في مفهوم الاقتصاد الحر معا.. فالحرية بدون قيود ولا ضوابط «قضائية» تصبح هي الفوضى بعينها، فهي تثير الفتنة والفوضى ولو تركت سائبة لأتت على كل شيء.

وكذلك الاقتصاد الحر لا يعني الخلاص من القيود والحدود.. بل إن الاقتصاد الحر هو أحوج ما يكون للأنظمة الدقيقة الصارمة التي تمنع التلاعب والاثراء غير المشروع وتحقيق المصالح الخاصة على حساب المصالح العامة وتحقيق الثروات الفردية الطائلة على حساب باقي افراد المجتمع..

الاقتصاد الحر بدون أنظمة صارمة تمنع الغش والاحتكار، وتحقق تكافؤ الفرص في الحصول على المعلومات، الاقتصاد الحر بدون ذلك يصبح غابة يأكل فيها القوي الضعيف..

٭٭٭

والمملكة تسير على الاقتصاد الحر بوحي من تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف، فهي لم تأخذ الرأسمالية كما هي، وإنما توافقت معها بما في الإسلام من احترام للملكية الخاصة وتشجيع على العمل والابداع، ومد يد العون لمحدودي الدخل، ونلحظ هذا في شرائح الماء والكهرباء وفي الاعانات الاجتماعية المختلفة.

ومع هذا، ولتحسين تدوير الثروة فلا زلنا في حاجة ماسة لبعض الأنظمة الضرورية التي تسهم في تحقيق تكافؤ الفرص، والمساواة في نقطة الانطلاق، وتوزيع منافع المجتمع على أبنائه المجدين قدر الامكان.

ومن تلك الأنظمة:

(تحديد الملكية في البنوك)

إن البنوك من أهم السبل لتحقيق الثراء الهائل والتحكم في ودائع الناس.. الى حد كبير وملكية المصارف في امريكا واوروبا محددة بحيث لا يستطيع الفرد ان يمتلك أكثر من 10٪ من أي مصرف، اما لدينا فلم توجد تلك الآلية حتى الآن، بسبب الطرح المبكر لأسهم المصارف، وعدم الاقبال عليها لأسباب دينية وجيهة، وقد لاحظت مؤسسة النقد العربي السعودي ذلك فقامت بتحديد نسبة الملكية في (التعاونية) بحيث لا تزيد نسبة تملك الفرد عن 5٪ من أسهم هذه الشركة (التعاونية) باعتبار ان التأمين فيه شبه من المصارف..

والآن.. وبما أن مصارفنا تتجه نحو الاقتصاد الاسلامي بشكل حثيث، وتتسابق لتكييف انظمتها مع الشرع الحنيف، فأعتقد انه قد حان الوقت لتحديد نسبة التملك في المصارف بحيث لا يزيد ما يملكه اي فرد عن 5٪ أو 10٪ كحد أعلى، ويعطي من يملكون أكثر من هذه النسبة اثناء صدور النظام - مهلة خمس سنوات لبيع ما يزيد عن تلك النسبة في البورصة، ويمنع من باع قبل ذلك منعا باتا من الشراء.

ان الحاصل الآن في أسهم البنوك أن أكثرها محتكر لدى افراد محدودين جدا نسبة لعدد المتداولين في السوق فضلا عن عدد السكان، وهؤلاء الملاك الكبار هم الذين يتحكمون في قرارات بنوكهم، وهم الذين يعلمون اخبارها الحسنة والسيئة قبل غيرهم، ويسمح لهم الآن بالبيع والشراء في أسهم بنوكهم على (هواهم) تماما.. وهذا من العجب.. ففي ظل هذا الوضع يستطيعون ان يبيعوا كميات هائلة من اسهم المصارف التي يمتلكونها ويطلعون على أخبارها، في الوقت المناسب، ويعيدون شراءها في الوقت المناسب، حسب ما لديهم من معلومات داخلية بحكم مراكزهم وقوة ملكيتهم وهم بذلك يحققون ثروات طائلة على حساب المتداولين الآخرين الذين لا يعلمون اخبار المصارف الا بعد اعلانها في تداول بينما الملاك يعلمونها قبل ذلك بوقت طويل.. فهم يعرفونها يوما بيوم تقريبا!

يضاف الى ذلك ان مجرد ملكية فرد لأكثر من عشرة في المئة في بنك واحد، يجعله المستفيد الأكبر من كل خدمات البنك وقروضه وقراراته.. اذن لابد من تحديد ملكية اسهم المصارف، واعطاء الملاك مهلة معقولة لتحقيق ذلك، ومنع من يبيع منهم من الشراء مرة ثانية.

منع الاحتكار

نظام الوكالات الحصرية لدينا لا يزال احتكاريا.. ويحسن السماح لغير الوكلاء بالاستيراد بدون قيود أو محاربة من الوكلاء ففي هذا تشجيع لروح المنافسة، وتخفيض للأسعار على المستهلك، وتوزيع للأرباح على عدد كبير من التجار بدل اختصارها على تاجر واحد هو (الوكيل الحصري المحتكر).

محاربة الغش

نظام محاربة الغش ومكافحته موجود ولكن عقوباته لا تزال ضعيفة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن تفعيله اضعف.. والغش مشكلة بل كارثة.. فهو يسرق نقود المستهلكين بالباطل، ويقلد السلع الأصلية، ويغرق السوق بالبضائع الرديئة والخطيرة أحيانا...

وكل هذا ضد حسن توزيع الثروة.