الفيلم الأميركي (أغرب من الفردوس Stranger than Paradise) من إخراج المخرج الشهير "جيم جارموش" الذي أخرجه بالأبيض والأسود العام 1983، هو فيلم بقصة بسيطة ناعمة لكنها بساطة السهل الممتنع، لكونها تقدم بهدوء رؤية سابقة لعصرها عن انفصال الإنسان عن الطبيعة.

قصة تقدم هذا المهاجر الذي يريد القطع مع جذوره الريفية ببلده الصغير والتماهي بأرض الفرص أميركا، وهذا المشهد البالغ البساطة حين تصل قريبته مهاجرة جديدة زائرة، فتاة ريفية خام لم ينقطع بعد الحبل السُرِّي بينها وبين الطبيعة، تجلس أمامه بينما يتناول وجبته، وتتأمل قطعة اللحم بطبقه، تسأله: "أي لحم هو هذا؟" تقصد لحم أي حيوان هو هذا الذي تلتهمه؟ ويرمقها بتعجب، "إنه لحم.. لا يهم ماذا.. ربما بقر.." وعاجزاً عن الإجابة ومنزعجاً من السؤال يتباهى أمامها، "هكذا هي وجبتنا في أميركا، طبق كامل يحوي كل شيء، اللحم، البطاطس المقلية والسلطة، بالإضافة لذلك فلا حاجة لغسل الأطباق"، وذلك لكون الطبق من البلاستيك الذي يستعمل لمرة واحدة ويتم التخلص منه بعد الاستعمال.

مشهد يلخص المأزق البشري الحالي، أولاً: هذا البلاستيك دلالة الحداثة والحامل للدمار في إغراقه للأرض والبحار وإفرازه للسموم. وثانياً: والأهم في هذا المشهد هو المدنية التي تقطع مع الأصل، فبالنسبة للبطل فإن ما يلتهمه هو قطعة لحم حمراء مقطوعة عن أصلها، عن الحيوان الذي ضحي ليمنحه هذا اللحم.

إنه بالضبط ما نمارسه في عالمنا المتفاقم الحداثة بحكم العادة، نلتهم أصناف اللحوم ولا نقف للحظة لنسأل من أين جاء هذا اللحم، وربما لو فكرنا فلن نذهب أبعد من السوبر ماركت الذي اشتريناه منه، لا نتوقف لنتأمل للمحة الحياة التي أزهقت لتمنحنا تلك النعمة، لذا من السهل أن نستهلك بلا حساب طالما نملك المال وأن نلقي للزبالة بكميات نزهدها، نستهلك بلا احترام للحيوان الواهب ولا للشجرة الواهبة ولا للأرض ولا للبحر الواهب، ننسى أصل الثمرة التي على موائدنا والماء الذي سقاها والشمس التي غذتها واليد التي زرعت وحصدت وتلك التي نقلتها لأسواقنا، إنها رحلة الحياة التي تُطرَح على موائدنا ولا نلمح فيها نهر الحياة أو نهر "الحي" الجاري، إنها اللقمة أو شربة الماء التي نأخذها منفصلة عن نهر النعم التي وهبها لنا الكون مسخراً من الخالق.

تنظر مثلاً لطبق وتغفل عصارة الحياة والجهد الذي شحذته الطبيعة لتضع ذلك الطبق على مائدتك، جل اهتمامك في كونك تحب أو تكره ذلك الطبق، وبوسعك إهداره بلا شعور بالذنب، فباعتقادك أنك الأصل والغاية في الكون، هي خلاصة الموقف الأناني الذي تشكل فينا ويتفاقم مع تفاقم ابتعادنا عن الطبيعة وعجزنا عن استيعابها كروح وككائن حي. نتوهم بأننا الأرواح الوحيدة ووحدنا الأحياء بمشاعر واستجابات، نغفل أن الطبيعة كائن حي بمشاعر وحكمة تثبتها البحوث العلمية يوماً وراء يوم.