قد يرى البعض بان هناك مبالغة في ذلك وان أسواق المال تخلو من الأسلحة التي قد تتسبب في إحداث دمار شامل بها، لكون ما يجري بها هو بيع وشراء الأسهم، ولكن عند التمعن فيما يحدث بالسوق لدينا، سنجد ان هناك أسلحة استخدمت لضرب وتدمير السوق، وسنكتشف بان سوق الأسهم ليس كما يقال بأنه يخضع لقوى العرض والطلب، بل ان هناك حقيقة هامة تحدث أمامنا تم تجاهلها، تتمثل في استغلال كبار المضاربين لتركيبة مؤشر السوق الذي يتضمن حصص الدولة الضخمة في الشركات، التي استخدمت كأسلحة ضغط لمضاعفة قوة التدمير للسوق، والمؤسف انه على الرغم من ذلك لم يتم اتخاذ أي إجراء مناسب لإيقاف استغلال المؤشر وتكوينه، لتخليص السوق من ذلك السلاح الذي يستخدمه كبار المضاربين - احتساب حصة الدولة في مؤشر السوق - لتحقيق مصالح خاصة لمحافظهم، بل اكتفينا بالانتظار والترقب إلى ماذا سيؤول إليه هذا الانهيار والتدمير؟ الذي لم يلحق فقط بأسعار الأسهم والمتداولين، بل حطم احد أهم مقومات سوق الأسهم وهي الثقة التي فقدت بالسوق، وكانت نتيجتها تحول الأغلبية من الاستثمار الى المضاربة والخروج اليومي من السوق، كعدم ثقة وخوف مما سيدبر في الغد!!

وعندما نرى قوة التحكم والسيطرة على مؤشر السوق، والقدرة الفائقة على إحداث التذبذب العالي بأرقام المؤشر خلال ثوان، يتأكد لنا بان تلك الأسلحة تم تسليطها على أسهم جميع الشركات، وبرزت البراعة في استغلال التركيبة الحالية لمؤشر السوق، الذي يتضمن في حساباته ونقاطه حصة الدولة العالية في الشركات الكبرى بالسوق غير القابلة للتداول، وخصوصا في شركات سابك والاتصالات والكهرباء واحد البنوك!!! التي تمثل الوزن الأكبر في مؤشر السوق وذات التأثير الكبير عليه، وهؤلاء هم من يقوم بضرب السوق بعروض البيع لأسهم تلك الشركات بهدف إنزال أسعار جميع شركات السوق في لحظات، والتسبب في نزيف المؤشر لمئات النقاط، ومن ثم الاستفادة من ارتداده لإدخال ضحايا جدد تم خداعهم بمؤشر السوق الأخضر! وقد رأينا خلال أيام الانهيار كيف كان يتم ضرب السوق وتركيع مؤشره عدة أسابيع من خلال أسعار تلك الشركات، كما أننا في المقابل نجد سهم احد البنوك خلال الأسبوع الماضي - كمثال قريب - يتم رفعه في آخر الثواني يوميا للتلاعب بأرقام الإقفال لتضليل المحللين والمؤشرات الفنية، وربما المسؤولين عن ما يحدث بسوق الأسهم.

إن الأمر يتطلب أن يعاد النظر في طريقة احتساب مؤشر السوق، ليعكس واقع السوق والأسعار الحقيقية لأسعار أسهم الشركات، وبحيث تكون هناك استقلالية لأسعار كل شركة، ولا تتأثر شركات السوق بأسعار شركة او شركتين لهما وزن كبير في نقاط المؤشر، وعلى ان يتم رفع أي ضغط خارجي على أسعار كل شركة، والقضاء على تحرك السوق ككتلة واحدة معاً، حيث لن ينتهي الانهيار الذي يعاني منه السوق حالياً مادام أن هناك شركات معينة تحدد مسار جميع شركات السوق، بغض النظر عن المستوى السعري لكل شركة وربحيتها ومحفزاتها، ولذلك فانه بالإضافة إلى أهمية وقف استغلال المؤشر في تحديد اتجاه السوق لتحقيق أهداف خاصة، فان هناك أهمية للتحرك لتعديل حساب مؤشر السوق ووفقا للمبررات التالية:

1- إن احتساب قيمة حصة الدولة وفقا للسعر السوقي لسهم الشركة لا يمثل القيمة السوقية الحقيقية لكامل أسهم الشركة بما فيها حصة الدولة، لان السعر الحالي للشركة في السوق محتسب وفقا للكميات المتاحة للتداول والتي تعرض بالسوق، وهي قليلة مقارنة بعدد أسهم الدولة الغير مطروحة للتداول، ولو أخذنا سعر سهم شركة سابك - على سبيل المثال - البالغ حوالي 130 ريالا، فسنجد انه محتسب على أساس ان الأسهم المتداولة 30٪ فقط من أسهمها، ولكن لو ان جميع أسهم شركة سابك أصبحت قابلة للتداول، فبالتأكيد سيكون السعر السوقي اقل بكثير من ذلك وهكذا لباقي الشركات، ولذلك لا يوجد مبرر للاستمرار بالوضع الحالي، لكون قيمة المؤشر ستكون مضللة ولا تعبر عن القيمة السوقية لجميع أسهم الشركات.

2- إن المؤشر بوضعه الحالي لا يشجع صغار المتداولين على الاستثمار بالشركات الكبرى بسبب تأثير أسعارها على مؤشر السوق، فإذا ارتفع سعر الشركة بضعة ريالات، فان المؤشر سيرتفع بقوة مما يؤدي إلى اتجاه المتداولين لجني أرباحهم قبل إعادة المؤشر إلى مستوى الارتفاع التدريجي للاستفادة من التذبذب في المضاربة، وهنا سيجد المستثمر في تلك الشركات بان أسعار أسهمه لا ترتفع كثيرا لقوة تأثيرها على المؤشر، وان أسعار أسهمه سرعان ما تنخفض، بينما أسعار الشركات الصغيرة ترتفع لأنها لا تؤثر على المؤشر، وهنا أصبحت تركيبة المؤشر طاردة للاستثمار، والمستثمر بالشركات الكبرى سيتحول إلى المضاربة، وبالتالي يخسر السوق الرغبة في الاستثمار في الشركات الكبيرة والسيولة الاستثمارية التي يحتاجها للاستقرار ومن ثم الارتداد.

3- إن أهم أهداف صناع السوق أن لا يتم رفع نقاط المؤشر إلى أرقام عالية قبل الاستفادة القصوى منه، ولذلك فان ارتداد أسعار القياديات لن يكون بالأمر السهل في ظل الوضع الحالي للمؤشر، لان مجرد ارتفاع أسعارها بنسبة (20٪)، فإن نقاط المؤشر سترتفع حوالي (3000) نقطة وسيكون الارتفاع ملفتا وغير مطمئن وسيتطلب من كبار المضاربين والمستثمرين - إذا كان الارتفاع حقيقيا - أن يتم ضخ سيولة عالية لتثبيت أسعارها، وقد يكون ذلك غير ممكن عملياً، لان من سيدخل في الأسعار الجديدة سيطول به الانتظار حتى تتحرك تلك الأسعار للأعلى مرة أخرى، والذي سيؤدي الى ارتفاع المؤشر حينها (3000) نقطة اخرى، فكم حينها ستصبح نقاط المؤشر؟ وهل سيصمد حينها ام ستكون هناك موجة بيع كبيرة؟ اذا علمنا بان معظم صغار المتداولين دخلوا السوق والمؤشر في حدود ال (17000) نقطة!! فهل الصناع يرغبون في رفع المؤشر إلى تلك الحدود؟ اعتقد بان الوقت مازال مبكرا!!

ولذلك فإن التغيير في طريقة احتساب المؤشر وأرقامه، سيخلص شركات عديدة من سلطة المؤشر، وعدم تأثره بشكل كبير بالتلاعب الذي يحدث بأسعار الشركات الكبيرة، وقد يخفف ذلك من خسائر المتداولين التي تزيد مع الارتدادات الوهمية برفع او خفض أسعار تلك الشركات وبالمضاربة المحترفة، التي تمكن كبار المضاربين من استعادة أموالهم، بينما باقي المتداولين ينتظرون ارتفاع المؤشر.

ولهذا وأمام ما يحدث بالسوق فان الحاجة تدعو إلى إعادة النظر سريعا بمؤشر السوق وطريقة احتساب نقاطه، لان الاستمرار على ذلك لن يتسبب فقط في تأخر تعافي السوق وارتداده بل ربما يتسبب - لا قدر الله - في حدوث ما هو أسوء مما حدث إذا تجاهلنا ذلك!! ويجب أن لا نركن إلى ما سبق إقراره بالنسبة للمؤشر قبل سنوات طويلة، فالسوق السعودي وأساليب المضاربين به تطورت في السنوات الأخيرة، وأصبح سوقنا يتميز بخصائص مختلفة عن باقي الأسواق المالية، وأهمها ملكية الدولة للنسبة الكبرى من رؤوس مال عدة شركات تتجاوز أحيانا نسبة ال (70٪) منها، وليس من المقبول إدراج كل تلك الأسهم في مؤشر السوق وهي غير قابلة أصلا للتداول .

akhoraif@alriyadh.com