النيات السيئة لم تتوقف، وأحلام العهد القديم مستمرة، ورصيد الحقد والكراهية يتضاعف، وبالتالي لم يعد هناك خيارات للتسوية مع أطراف تقتات على الصراع، والتشويش الفكري للشعوب، وتحميلها ما لا تحتمل من إيديولوجيا الطائفية و«الإخوان»..

المشهد العربي الحالي بكافة تفاصيله، وتطوراته، وتوجهاته ومواقفه؛ لا يزال في دائرة الصراع بين عدة أطراف دولية وإقليمية تحاول أن تتدخل في شؤونه، وتثير شعوبه، وتنتهك مصير وحدته، ومصفوفة قيمه، وتأخذ لها مكاناً تساوم عليه، أو تبتز من تورط معها في مشروعات فوضى لتملي شروطها، وتقدم مصالحها على أي اعتبار.

التدخلات الأجنبية في الشأن العربي توظّف آليات حروب الجيل الرابع لاختراق الشعوب، من خلال رفع الشعارات، وتحريك المسيرات، وتسييس حقوق الإنسان، ونشر الشائعات، والتضليل الإعلامي، إلى جانب تعميق الحالة النفسية نحو اليأس والتأزيم والفشل، ودعم الحركات المتطرفة فكراً وسلوكاً لتصعيد المواجهة على الأرض، وبالتالي تكون مهمة التغيير على طاولة تلك القوى الخارجية، وليس من الداخل كما تريده تلك الشعوب.

إيران وتركيا والمال القطري أخطر ما يواجهه العرب في هذه المرحلة؛ فالنيات السيئة لم تتوقف، وأحلام العهد القديم مستمرة، ورصيد الحقد والكراهية يتضاعف، وبالتالي لم يعد هناك خيارات للتسوية مع أطراف لا تريد الأمن والاستقرار للمنطقة، وإنما بقاء الصراع إلى الأبد لتقتات عليه، وتستهلك معه خطابات التشويش الفكري للشعوب، وتحميله ما لا يحتمل من إيديولوجيات الطائفية، والإخوانية، والأخطر من ذلك حين تكون "داعش" و"القاعدة" على انسجام تام مع تلك القوى، وملاذاً آمناً لقادتها.

المشهد الليبي بعد عملية "طوفان الكرامة" لتحرير طرابلس من الجماعات الإرهابية المسلحة؛ يسجّل نموذجاً صارخاً للتدخلات التركية والقطرية في الشأن الليبي، بل وأخطر من ذلك ما أعلن عنه اللواء أحمد المسماري الناطق باسم الجيش الوطني الليبي من نقل تركيا لعناصر من جبهة النصرة للقتال في طرابلس، وإمداد المقاتلين بالسلاح عبر مالطا، وكل ذلك حتماً بتمويل قطري؛ فالقضية لم تعد حرباً على الإرهاب من تركيا وإيران وقطر، بل حرب على كل من يواجه مشروع الفوضى من دول المنطقة، حيث من مصلحتهم أن تبقى المنطقة العربية على تنور ساخن من الحروب والقتال والمواجهة بين الشعوب وأنظمتها السياسية.

مشهد آخر في السودان الذي تركه عمر البشير غير مأسوف عليه بعد أن أوصل البلاد إلى هاوية الفقر والفساد، حيث لا يزال حزبه وتجمعه السياسي واجهة للحراك الإخواني الذي فشل سياسياً واقتصادياً، وانتهى به المطاف إلى مواجهة الشعب في أصعب مرحلة تحمّلها الجيش السوداني، ونجح في الوقت المناسب بتنحية رأس النظام وبداية عهد جديد للدولة، ولكن لا يزال هناك حراك إيراني وتركي وقطري لاختطاف السودان مجدداً، من خلال شعارات سياسية، واختراقات إيديولوجية، والأخطر أن تصل إلى مواجهات بين أحزاب وقوى مدنية ومهنية تتم تغذيتها بالمال القطري المسموم والمفتون بحب الفوضى والتدمير، ونكون بعدها أمام طريق مسدود قد يترتب عليه مزيد من التدخلات الدولية التي تجعل من السودان صراعاً آخر في طمع الهيمنة والنفوذ.

مشهد ثالث في الجزائر التي تواجه منعطفاً سياسياً مهماً بعد استقالة أبو تفليقة وتعيين عبدالقادر بن صالح رئيساً مؤقتاً للبلاد، حيث يحذّر أحمد قايد صالح رئيس أركان الجيش الجزائري ونائب وزير الدفاع في خطاباته من أطراف خارجية تريد زعزعة أمن واستقرار الجزائر والإيقاع بين الشعب وجيشه، وفرض وصايتها باختيار ممثلين عن الشعب لحكم الجزائر، وحتماً هو لا يكتفي بالإشارة الضمنية إلى دول غربية، بل أيضاً إلى دول محورية في صراع الشرق الأوسط الكبير، وعلى رأسها إيران التي لها مصالح متجذرة في الجزائر، ووصلت إلى لعب دور كبير في تغذية الصراع المغربي الجزائري، من خلال سفاراتها في الجزائر..

مشاهد سابقة في سورية والعراق واليمن ولبنان كافية لإثبات خطر الثالوث الإيراني والتركي والقطري على أمن واستقرار المنطقة العربية، والشواهد لا عدّ لها ولا حصر منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، وقبلها سقوط نظام صدام حسين في بغداد، واليوم نتمنى أن يعي العرب دورهم في ليبيا والسودان والجزائر، ويواجهوا قوى الشر الظلامية، من خلال تعرية أفكارهم، وإسقاط أتباعهم، والانحياز إلى المصالح العليا للدولة، وليس مصالح فئوية أو حزبية أو مادية.