لم يشرع الله ــ عز وجل ــ في الشريعة الإسلامية حكماً يتضمن نكاية بالناس على مستوى العموم، أو على مستوى الأفراد، وذلك لأن هذه الشريعة رفع عنها الآصار والأغلال، كما في قول الله ــ عز وجل ـ: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) الآية.

قال المفسرون في معنى قوله تعالى: (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) أي: ومن وصف محمد عليه الصلاة والسلام أن دينه سهل سمح ميسر، لا إصر فيه، ولا أغلال، ولا مشقات، ولا تكاليف ثقال.

بهذا العنوان: "ليست الشريعة بنكاية" عقد الطاهر ابن عاشور فصلاً في كتابه القيم "مقاصد الشريعة الإسلامية" معتبراً ذلك، أي "عدم النكاية بالشريعة " مقصداً عاماً من مقاصد التشريع، ويتأسس هذا المقصد على ما تقرر من "سماحة الإسلام" و"نفي الحرج عنها".

ومن خلال: أن الشريعة ليست بنكاية؛ يمكن لنا أن نتحدث عن محاسن الدين الإسلامي؛ إذ أن ذلك من خصائص هذه الشريعة، فقد دلت النصوص على أن من قبلنا من الأمم كان يوجد في شرائعهم آصار وأغلال، كما تقدم في الآية السابقة.

والشريعة الإسلامية شريعة عملية، تسعى لجلب المصالح ودرء المفاسد. فإن قلت: أليس في الزواجر، والعقوبات، والحدود التي قررتها الشريعة نكاية؟

قلنا: إن هذه الزواجر والعقوبات والحدود شرعت إصلاحاً لحال الناس بما هو اللازم في نفعهم.

ولا يشكل على هذا التقرير ــ كما أشار إلى ذلك ابن عاشور ــ ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم أن بعض أصحابه يواصل الصيام فنهاهم، فقال له رجل: يا رسول الله إنك تواصل، فقال: (وأيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً ثم يوماً، ثم رأوا الهلال فقال لهم: ( لو تأخر الشهر لزدتكم) كالمنكل بهم حين أبوا أن ينتهوا.

فالنبي عليه الصلاة والسلام هنا نكّل بهم، لكن ليس ذلك من باب التشريع العام، بل هو من باب التربية لأصحابه، ومن ثم فلا يستدل به على أن الشريعة نكاية، ويكفي أن تعرف أنه ليست الشريعة نكاية: أنها مبنية على تحصيل المصلحة ودرء المفسدة، ومعظم مقاصد القرآن الكريم كما يقول ابن عبدالسلام في قواعد الأحكام: الأمر باكتساب المصالح وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها، والقرآن الكريم يعبر عن المصالح والمفاسد بالخير والشر، والنفع والضر، والحسنات والسيئات، وقد غلب في القرآن الكريم استعمال الحسنات في المصالح، والسيئات في المفاسد.