إن الحقائق التي ينبغي علينا إيضاحها للأجيال، ليس من باب إحياء العداوات، ولكن من باب تبيين الحقائق حتى لا يقعوا في شباك مزوريها مدلسي التاريخ لشيء في نفوسهم..

إن استدعاء التاريخ ليس تأجيجًا للصراعات وإحياءً للأحقاد، وإنما وضع للحقائق تحت شمس ساطعة تكشف التزوير، وتفضح أربابه، وهو ما يصدق على المستعثمين الجدد من الإخونج أكانوا من دول الخليج العربي أم من باقي الدول العربية، ولا سيما الهاربين في تركيا وقطر؛ أولئك الذين يسبّحون بحمد الاحتلال العثماني الذي استمرّ في شبه الجزيرة العربية وحدها من 1517 إلى 1918م، ويدعون إلى إحياء الخلافة العثمانية التي سموها جزافًا خلافة وما هي بخلافة، فجميع حكامها لم يتخذوا (خليفة) لقبًا لهم بل لقب (سلطان).

كانت أول مواجهة حدثت لي مع هذه الحقيقة أيام الدراسة الجامعية، عندما كتبت في ورقة اختبار أنّ من أسباب تخلف الأمة العربية على الصعد كافة ولا سيما في جزيرة العرب، هو الاحتلال العثماني، ولكم أن تتوقعوا نتيجة الاختبار من قبل أستاذة إخونجية. ومنذ ذلك الزمن ظلت كثير من الأسئلة حول ذلك تراودني منها: هل استيلاء العثمانيين على البلاد العربية غزو أم فتح؟ وهل كان بقاؤهم طوال أربعة قرون فيها احتلالا أم توحيداً تحت راية الإسلام وراية الخلافة المزعومة؟ وهل ليس للعثمانيين علاقة بما وصلت إليه البلاد العربية من جهل وفقر وتخلف؟ لا شكّ أن هناك من سينبري دفاعًا وتكذيبًا لما طرحته من تساؤل، ممن تعج بهم مواقع السوشال ميديا، لكنّ هناك كثيراً من المؤرخين أكدوا فيما كتبوه نتيجة دراسات تاريخية معمقة كثيراً من الحقائق عن تلك الحقبة السيئة.

تداعت إلى ذهني هذه التساؤلات عندما شاهدت اللقاء الممتع في برنامج (في الصورة) مع الدكتور سلطان الأصقه الباحث في التاريخ العثماني، لقد شدني البرنامج الذي توفرت فيه سمات ثلاث، محاور مثقف يجيد إدارة دفة الحوار، وينتقي أسئلته بمهارة دون تعالم، وضيف متمكن من موضوعه ومن أدواته البحثية، فقد حرص على تأكيد أنه باحث متجرد لا يحكمه الهوى، وموضوع من الموضوعات التي تتصدر الساحتين الفكرية والسياسة في أيامنا هذه.

ربما شاهد كثيرون البرنامج ما يغني عن ذكر ما جاء فيه ها هنا، لكنّ مما وجدته من طروحات تنسجم تمامًا وما تفضل به الضيف، ويجيب على الأسئلة التي تراود كثيرين عن الحقبة العثمانية في بلاد العرب، وهي أسئلة ليست بالجديدة "لكنّ الجدل حولها ما إن يخمد حتى يتجدد منتقلاً من ساحة التاريخ إلى ساحات الدين والسياسة، في إطار صراعات بين التيارات الفكرية والسياسية التي ما فتئت تترك الحاضر والمستقبل لتنقّب في الماضي باحثةً عن ساحات للخلاف والصراع، وكأنّ خلافات وصراعات الحاضر لا تكفيها"!

أمّا ما يمثل إجابة عن تلك التساؤلات فنجده لدى الدكتور عاصم الدسوقي، أستاذ التاريخ الحديث الذي يقول عن نشأة العثمانيين إنهم "قبائل رعوية تركية لا حضارة لها، كانت تعيش شمال غرب الصين، وشأنها شأن القبائل المتنقلة من مكان إلى آخر، تصادمت مع كثير من التجمعات الحضارية، حتى استقرّ بها الحال في منتصف القرن الثاني عشر ميلادياً، في منطقة آسيا الصغرى". وفيما يخص استيلائهم على البلاد العربية يقول: "إنّ العثمانيين ليسوا سوى غزاة مستعمرين احتلوا بلاد العرب أربعة قرون، مثلهم مثل الاستعمار الفرنسي والبريطاني، استنزفوا ثروات العرب وأورثوهم الضعف والتخلف، إذ فرضت الدولة العثمانية على بلاد العرب عزلة كاملة. وكانت الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 بمثابة صدمة حضارية، استفاق خلالها العرب على واقع التخلف والجهل الذي يعيشون فيه. ويرفض الدسوقي الرأي الذي يصف العثمانيين بالفاتحين، فبرأيه لا يجوز وصف دخول شعب مسلم أرض شعب مسلم آخر بالفتح، مشدداً على أن ذلك منافٍ للعلم والتاريخ..

أمّا ما يتعلق بكون الدولة العثمانية دولة استعمارية، فقد اعترف الأتراك أنفسهم بذلك، إذ وجدتُ في مذكرات السلطان عبدالحميد الثاني (تقديم وترجمة، د. محمد حرب، دار القلم، دمشق، ط 3، 1991، ص 131) قوله: "... قلت، وسأقول: شرحت وسأشرح مسألة مهمة وهي: ألم يكونوا يفكرون أنّ الدولة العثمانية تجمع أممًا شتى، والمشروطية في دولة كهذه موت للعنصر الأصلي في البلاد، هل في البرلمان الإنجليزي نائب هندي واحد، أو إفريقي أو مصري؟ وهل في البرلمان الفرنسي نائب جزائري واحد؟ وهم يطالبون بوجود نواب من الروم والأرمن والبلغار والصرب والعرب في البرلمان العثماني. لا، لا استطيع أن أقضي على ابن الوطن الذي تعلم وفكر ووهب نفسه لقضيته. أقول: إن شباب تركيا الفتاة وببساطة قد خدعوا"، هذه هي نظرة المستعمر التي لا تختلف عن نظرة المستعمر الأوروبي، حين يؤكد أنّ الدولة التي تحتل أممًا شتى يفترض فيها أن تقضي على العنصر الأصلي أي أهل البلاد التي يحتلونها، وفي قوله استعلاء حين يقول إنّ ابن البلد يعني التركي متعلم، فكيف يساويه بالآخر غير المتعلم أي الجاهل، أما اتخاذه الدول الاستعمارية مثالاً يحتذيه؛ فهو تأكيد على أن دولته استعمارية أيضاً.. هذا هو منطق الدولة التي يسميها الإخونج دولة الخلافة الإسلامية، فيضفون عليها مسحة ملائكية، ويدعون إلى إقامتها لتحلّ محل الدول العربية التي يحملون لها في صدورهم كمًا من الأحقاد التي يبدونها في كتبهم ومقالاتهم وبرامجهم وتغريداتهم.

إنّ الحقائق التي ينبغي علينا إيضاحها للأجيال، ليس من باب إحياء العداوات، ولكن من باب تبيين الحقائق حتى لا يقعوا في شباك مزوريها مدلسي التاريخ لشيء في نفوسهم. فمن ذلك:

1 - ظل العرب طوال أربعة قرون أمة مستلبة مستضعفة ومحتقرة من قبل المحتل العثماني.

2 - محاولة تتريك البلاد العربية، وفرض اللغة التركية بدلاً من اللغة العربية.

3 - انتشار الفقر في أصقاع كثيرة من البلاد العربية بسبب نهب خيراتها والسيطرة على مواردها، وأمّا الوضع في جزيرة العرب فكان أدهى وأمرّ، حيث نهبت دور المخطوطات العربية والحجرة النبوية بكل ما فيها على يد فخري باشا. (انظر على سبيل المثال البرنامج التلفازي للمؤرخ محمد حسن زيدان عمّا فعله فخري باشا في المدينة المنورة، وكذلك ما جاء في فيديو المؤرخ عائض الردادي بعنوان: فخري باشا الحقيقة كما يرويها أهل المدينة)..