الفن ليس مجرد صورة لما ينتجه الإنسان في عمله الفني، بل هو مجموعة من الإبداعات التي تجعل الإنسان أكثر تعبيراً عن وجوده بمختلف الوسائل والأدوات. والفن هو إحساس داخلي وذوق رفيع يدفع الإنسان إلى التعبير عن ذاته بالكلمة الجميلة أو بالنغمات الرائعة أو بالصورة الفنية المفعمة بالخيال أو بالإيماءات الذكية. ولكن ما أوجه الشبه بين الشاعر والفنان التشكيلي من ناحية الإبداع؟

إن أوجه الشبه تكمن في قدرة كل منهما على إبراز ما يجيش في النفس، وما ينعكس على البيئة. فالشاعر والفنان التشكيلي يستمدان من البيئة الكثير من أفكارهما ورؤاهما. ونلاحظ أن الفن يختلف عن العلم أو التقنية في أنه يكون مصدراً للإمتاع أولاً ثم للفائدة ثانياً. بعكس العلم أو التقنية التي تقنع أولاً ثم تمتع وتفيد ثانياً، أو أنهما يقنعان العقل ويفيدان المجتمع أولاً، ثم تأتي مرحلة الإمتاع امتداداً للفهم والفائدة. وتختلف الأداة التعبيرية بين الشاعر والفنان التشكيلي، حيث إن الخطوط والألوان والظلال هي الأدوات التي يستوحي من خلالها الفنان انفعالاته وخيالاته. أما الشاعر فأداته الكلمة المعبرة التي تنسجم مع شعوره المتدفق لتؤدي في نسق تعبيري صورة عما يضطرب في ذهنه، ويعتلج في صدره من شتى الأفكار وأنماط الرؤى والخيالات. وكما أن الفنان التشكيلي يتوخى في صوره ولوحاته الدقة والجمال والإيحاء، بما يضفي على لوحته المزيد من الإبداع الفني والصيغ الجميلة. والشاعر بقدرته التعبيرية يستطيع أن يكسب الكلمة لوناً وشكلاً وإيقاعاً، بل ومذاقاً خاصاً لا تجده في القواميس. والكلمات في شعره تخضع للانفعال النفسي، ثم لمعيار المعنى ومطابقته للشعور. ويختلف الإبداع بين الشاعر والفنان التشكيلي، فالفنان التشكيلي يقدم لنا العمل الفني كاملاً، أو يجعلنا نرى تجربته الفنية، وقد تكثفت في لوحة متكاملة. فالصورة هنا كاملة تجذب الانتباه وتحرك الإعجاب بها أو الانتقاد لبعض ما فيها. أما عند الشاعر فالصورة الفنية تكتمل عنده خطوة بعد خطوة، وبيتاً إثر بيت على نسق مطرد، حتى إذا اكتملت القصيدة، غدت عملاً فنياً متكاملاً كما يفعل الفنان التشكيلي.

إن الشاعر والفنان التشكيلي هما رمزان من رموز المحبة والحرية والسلام في كل زمان ومكان. وفي كل نهضة حضارية لابد أن تسبقها إرهاصات فنية راقية، واسألوا عن ذلك علماء الاجتماع والتاريخ والحضارة. فالشاعر الأصيل والفنان المبدع هما إطلالة الذوق الجميل، وإشراقة المشاعر الراقية التي تسمو بالإنسان إلى آفاق الحياة المنتجة والجميلة.