تقف تجربة الملحن طلال التي تطاول الأربعة عقود، بين مرحلتين حساستين، في تجربته الثقافية، بوصفه أحد مهرة صناع الأغنية.

وهاتان المرحلتان دقيقتان جداً.. الأولى «إثبات الموهبة ومهاراتها» تتصل بالسنوات القليلة منذ انطلاقه عام 1982، حين استعد لإنجاز استعراض «مولد أمة» 1990 – شعر سعود بن عبد الله-، وأداء طلال مداح ومحمد عبده، فقد حضر في ذهنه استنفاد كل مهاراته لإثبات موهبته التلحينية على أوجه عدة، واجتراح عمل استعراضي يحتوي الموسيقى والغناء والرقص، معبراً عن جغرافيا وتاريخ المملكة، تحول نموذج يعاد تكراره، لسبب أن التقليد صعب كسره، والثانية «منجز الموهبة وخبراتها» بعد مرور ثمانية وعشرين عاماً بين العملين ذاك واستعراض «تدلل يا وطن» 2018 – شعر فهد عافت-، وأداء محمد عبده وراشد الماجد بمشاركة مزعل فرحان.

أنجز الملحن طلال هذا الاستعراض بأدواته المتملكة، وخبراته المتناهية، فبنى اللوحات الخمس، من بعد الدخول، على جمل لحنية مسبوكة ومتقنة، تتطلب الأداء العالي، فكانت اختباراً عسيراً لجميع الأصوات الثلاثة.

تجول بين مقامات صعبة، واستطاع موازنة تطلعاته بمعاني النصوص الشعرية المعتمدة على مواضيع أساسية من التراث الثقافي غير المادي، في ثلاثية الوطن والمُلْك والدين.

كما أنه لم يغفل جراء خبرته بعد هذه السنوات، أن يوحي بالمكان والزمان، عبر الآلة الموسيقية وأسلوب الأداء والمؤثر الصوتي واستذكار تراث وتوظيف إيقاعات غير مسبوقة في الاستعراضات السابقة.

وتبدى ذلك، بعد اللوحة الأولى «تحية إلى العهد السلماني -حفظه الله-»، في اللوحة الثانية أن توحي برجالنا في الحد الجنوبي، بتوظيف الإيقاع الخطوة «يا مملكتنا والجمال منك ولك»، واللوحة التالية استدعى الآذانين المكي والمدني وإيقاع الدانة «قصة أمجادنا لو تروى رشة العطر فرض وسنة»، واللوحة الثالثة استذكر نشيد «طلع البدر علينا» على إيقاع الظرافات «مأخوذاً من نشيد الثلاثية المقدسة (1972) -شعر صالح جودت، لحن: رياض السنباطي، أداء: أم كلثوم»، واستوظف آلة السمسمية والإيقاع الينبعاوي «مثل ما التوحيد من مكة بدا قصة الوحدة بأرض المدينة»، والانتقال إلى اللوحة الرابعة ذات الميزان الراقص، وشعر الفخر، حتى تبلغ اللوحة الأخيرة العرضة على لحن مطرب على غير مألوف ألحان العرضة.

وتتضح لعبة التراتب بين الموازين الإيقاعية، بين حركات بطيئة ومتوسطة وسريعة، وهذا عائد إلى تقاليد عريقة بموسيقى الحضارات العربية،وصلتها بمختلف مجالات الحياة الدينية والدنيوية، أو متطلبات الحرب والعمل والمناسبة، وتماثلها طروق النصوص الشعرية، من الحداء والسامر والمسحوب والصخري.

فعلاً، تدلل يا وطن، بمن غنى لك..