تشكل ثقافة المجتمع عاملاً رئيساً ومهماً في حضارات الأمم وتطورها، وفي ظل الركض غير المسبوق الذي تشهده المملكة أخيراً نحو إقامة الدورات المتنوعة في عدد من المجالات المختلفة، زاحمت الثقافة المجالات الأخرى في تقديم ورش ودورات ثقافية تسعى لخلق مثقف أو إنتاج مبدع بأهداف قياسية، إلا أن الغالبية يتفقون على انعدام الفائدة الحقيقية خلف هذه الدروات، وعلى عدم وجود المدربين المؤهلين، ويتفق المثقفون فيما يخص الورش الثقافية تحديداً على أنها نتيجة اجتهادات، ومعارف، وعلاقات. ولا تزال غير مقننة، ولم تكن وفق معايير الجودة الثقافية.

لا تنتج مثقفاً مبدعاً

وحول هذه الإشكالية قال د. عبدالرحمن المحسني أستاذ النقد والأدب المشارك في قسم اللغة العربية ومدير مركز البحوث والدراسات الاجتماعية بجامعة الملك خالد، إن كل عمل يقدم لا بد له من نتائج "وفِي البدء لا أستحسن كلمة "ورش" كمفردة لوجود بدائل دالة غيرها.. مثل  ثقافية، وحوارات تدريبية وغيرهما.. والدورات التدريبية الثقافية عموماً لا تنتج مثقفاً أو مبدعاً، كما أن الأقسام المتخصصة لا تنتج هي الأخرى مثقفاً ولا مبدعاً، لكنها تفتح آفاقاً، وهي أقرب إلى الحلقة العلمية المبسطة المكثفة. من هنا، فإذا كنّا ننتظر نتائج تتصل بأن تخرج تلك الدورات مبدعين وشعراء وساردين فهذا انتظار غير المنتظر أصلاً؛ لأن الإبداع شيء آخر غير هذا، يقوم على موهبة كامنة وصقل خاص. وأما إن كانت غايتها معرفية وكشافاً بهدي الطريق، فقطعاً ستحقق أهدافها بناء على حيثيات الحقيبة التدريبية، وجديتها، وجودتها.

وأضاف د. المحسني: "أعتقد أن كل دورة هي محاضرة متخصصة مكثفة، تعمل على أدوات تقنية وأهداف يمكن قياسها، فإذا تم ذلك حققت الدورة أهدافها. ولشخصية المدرب دور كبير في التأثير، وهذه في ذاتها موهبة يكتسبها المدرب من خلال انخراطه هو الآخر في دورات تخصصية. وغاية الأمر، أن يكون المدرب ضليعاً في حقل التدريب معرفياً ومهارياً، وهذا يجعل رسالته تحقق غاياتها.

ضرورة مشاركة القطاع الخاص

وقال الروائي والأديب عبدالعزيز النغيمشي، إن الثقافة تمر بركود لأسباب عديدة، "فالمزاج العام في المجتمع يعيش عدم الاستقرار الفكري لسنوات طوال تحت سطوة الصحوة المزعومة، وساعد على هذا المزاج تجاهل الفعاليات الثقافية، ومنها الدورات الثقافية والورش بشكل شبه تام، وصحيح أن هذه الفعاليات لن تخلق مثقفاً أو تصنع توجهاً ثقافياً آنياً، ولكنها ستؤسس لحراك ربما نجني ثماره لاحقاً، بشرط أن نتجنب القصور في هذه الدورات، والمتمثلة في جعلها تدور في محور المنتديات الأدبية التقليدية، والأهم هو التمويل، فلو شاركنا القطاع الخاص فلربما تأخذ زخماً وأهمية أكبر، كذلك لا ننسى مستوى من يقوم على هذه الدورات والورش، فالوقت قد حان للخروج من قمقم الأدب المحلي إلى الأدب العالمي، من خلال مشاركة مدربين أكاديميين تلقوا تعليمهم في الجامعات العالمية، واحتكوا بالمدارس الثقافية المعاصرة. وفي الختام أتمنى - وأنا الذي تتلمذت على ما طرحه أدباؤنا السابقون والمعاصرون - أن يقفز الأدب السعودي المعاصر إلى الديناميكية الثقافية المتحضرة".

صقل للمواهب

من جانبه، قال رئيس مجلس إدارة النادي الأدبي في الرياض د. صالح بن عبدالعزيز المحمود "من خلال تجربتنا في النادي الأدبي، أدهشنا الإقبال الكبير والتفاعل اللافت مع مثل هذه الدورات والورش، وعكس ذلك تعطشاً حقيقياً من الناس باختلاف فئاتهم ومستوياتهم لمثل هذه الفرص التطويرية التي تمنحهم لحظات خاصة، يستطيعون من خلالها تطوير قدراتهم الذاتية والارتقاء بها، من خلال الاقتراب من تجارب سبقتهم"، مشيراً إلى أن الدورات لا يمكنها أن تصنع مثقفاً أو مبدعاً، "والمثقف أو المبدع لا يُصنع، وهذه من البدهيات، لكن تلك الدورات إن أُحسن اختيار مقدميها وموضوعاتها فبإمكانها أن تصقل المواهب، وتنمّي القدرات الموجودة أصلاً، وتزيل كثيراً من العوائق التي تنبت في طريق الموهوب، كما أنها تضيء المدارك، وتمنح حاضريها فرص الإتقان، ومن هنا فإن أخطر ما تنطوي عليه هذه الدورات هو سوء اختيار مقدميها وموضوعاتها، وفي هذه الحالة تنقلب إلى فعل ثقافي هش وساذج، يضر ولا ينفع، ويأخذ ولا يعطي، ويزيد من قلق المبدع وتشتته وضياعه، خاصة أن فاقد الشيء لا يعطيه، وإنما يصنع الوهم فقط".

وأكد د. المحمود أن معيار النجاح وشرطه المصيري يكمن في قدرة المؤسسة على اختيار الشخص المناسب صاحب التجربة العميقة والخليقة بالاحترام؛ "كي يقدم عصارة خبرته وتجربته بعيداً عن التلميع المزيف، واختيار الموضوع المناسب للمدرب المناسب، مع مراعاة الجانب العملي التطبيقي الذي يكشف القدرات، ويزيد من جودتها وتماسكها وعمقها، ويقضي على الارتباك، ويقاوم السطحية والضعف، ولو طبقت المؤسسة هذه المعايير بشكل دقيق لأصبحت فكرة إقامة ورشة أو دورة تدريبية عملاً شاقاً وصعب التطبيق، ومن هنا تظهر أهميته، وتزداد قيمته المعرفية، والأهم بعد ذلك هو حسن اختيار المتدرب للدورة التي تناسب قدراته، كي يستفيد منها عملياً، أما أولئك الذين يشاركون في كل الدورات كي يحصلوا على شهادة، فهم يضيعون أوقاتهم، ويزاحمون غيرهم، ويهدرون جهد المؤسسة".

الثقافة ليست علماً

فيما قال د. أحمد بن صالح الطامي أستاذ الأدب الحديث والأدب المقارن في جامعة القصيم: "أعتقد أن الثقافة ليست علماً محدداً حتى تقام له دورات تدريبية، فالثقافة ليست لها قواعد علمية أو لها أصول معرفية يمكن الإلمام بها، الثقافة بحر واسع من المعارف والعلوم، ولذلك فإن إقامة دورات تحت مسمى "دورات ثقافية" تثير عديدا من الإشكالات. وقد يقول قائل إننا في عصر التدريب، وإن الثقافة مهارة يمكن اكتسابها، ولكن أشك في ذلك، وعوضاً عن إقامة الدورات الثقافية، أرى أن يركز في مثل هذه الدورات على تدريب العقول؛ لكي تكون مهيأة لاكتساب الثقافة؛ وذلك لأن الثقافة تتطلب بنية جاهزة لاستقبال العلوم والمعارف التي تتكون منها الثقافة".

وتابع قائلاً: "لكي يكون لهذه الدورات جدوى، أرى أن تركز على أسس منها: أولاً التركيز على تهيئة تدريب العقول، وأقصد عقول المتدربين وأذهانهم لتقبل المعاوف والعلوم الثقافية؛ لكي تنفتح على مختلف أنواع العلوم والمعارف؛ لأن الثقافة بمفهومها العام هي الأخذ من كل علم بطرف، ولذلك فإن المثقف هو المنفتح على المعارف والعلوم الإنسانية بكل اختلافاتها، وأعتقد أن الدورة إن نجحت في هذا فستكون ذات جدوى لتشجيع العقول على التعامل مع الثقافة. ثانياً: يجب أن تقوم الدورات التدريبية بإكساب المتدربين مهارة التعامل مع الثقافات المختلفة والتحاور معها واحترام اختلافاتها، وأرى أن لدينا حاجة كبيرة لتدريب الجيل الناشئ وجيل الشباب على التنوع والاختلاف وعلى قبول الآخر المختلف، وذلك لأن المثقف لا يمكن أن يكون مثقفاً إلا إذا كان يتعامل مع كل أنواع المعاوف والعلوم والثقافات، ويحترم ثقافته ويؤمن بها، وفي الوقت ذاته لا يرفض أو يقصي الثقافات الأخرى، وليس الذوبان في الثقافات الأخرى". مضيفاً: "إن اختيار المدرب يعد من أصعب الأمور في مثل هذه الدورات، ولكن يجب أن يكون من شروط اختيار المدربين أن يكونوا ممن عرفت عنهم الثقافة الواسعة، والتنوع الثقافي، واحترام الثقافات الأخرى، مع الاعتزاز بثقافتهم العرببة والإسلامية، وأمثال هؤلاء موجودون في الساحة الثقافية، كما يمكن اختيار هؤلاء المدربين من خلال استقراء لعدد من المثقفين والكتّاب والمبدعين في ساحتنا الثقافية، وسنجد عدداً مؤهلاً بإمكانه أن يزود هؤلاء المتدربين بخلاصة تجربتهم مع الثقافات المتعددة".

الورش التدريبية الثقافية

معملٌ لنقل التجارب

‏وقال الروائي جابر محمد مدخلي: "تعد الورش التدريبية الثقافية معملاً أدبياً نافعاً لنقل التجارب، ومختبراً للإبداع، ينتج عنه سبر أغوار الحضور، وتقديم خلاصات فكرية نافعة، إلا أن الفوائد المستقاة من مثل هذه الورش تعتمد على من يقدمها، فمحال أن تحضر متحدثاً قليل الخبرة، لا علاقة له بالإبداع الأدبي وتنتظر منه النتائج. الدورة والورشة الثقافية هي حديث مهم يأتي من خلفيات ثقافية متعددة لا من باب واحد. فمتى ما جاء من خبير ثقافي، كانت المنفعة أكثر نضجاً والمخرجات مميزة. لكنها في الأخير برأيي هي لا تصنع المثقف بل تكتفي بمنحه المفاتيح".

الورش لا تُغني عن الكتاب والقراءة المستمرة

وأوضح رئيس قسم اللغة العربية بجامعة الملك عبدالعزيز والمدير الإداري في نادي جدة الأدبي أ. د. عبدالرحمن رجا الله السلمي، أن "ورش الدورات الثقافية يمكن الاستفادة منها إذا وضعت لها أهداف واضحة، ودعي لها مثقفون من ذوي الخبرة والاختصاص ولهم إضافات ثقافية مميزة، ويمكن تفعيل هذه الورش من خلال صياغة مخرجاتها وتفعيلها لتصبح مبادرات عملية، على المستويين المعرفي والبنائي. ويمكن أن تمثل هذه الورش مصدراً للتزود، لكنها لا تغني عن الكتاب والقراءة المستمرة ومتابعة ما تنتجه المعرفة المتجددة. أوجه القصور تكمن في عدم اختيار الشخصيات المناسبة أو التركيز على الجوانب الإعلامية فقط".

وعن شخصية المدرب قال السلمي: "ينبغي التركيز على الإضافة العلمية، واستخدام وسائل توصيل للمعلومات، ويمكن تقنين هذه الورش من خلال تبني المؤسسات الرسمية لها ودعمها، وكذلك يمكن اقتراح إنشاء مراكز تدريب ثقافي، تتخصص في جوانب محددة مثل الشعر والقصة والكتابة المسرحية والكتابة للدراما والسينما"، مشيراً إلى أن الدورات وورش العمل ينبغي أن تركز على الجوانب المهارية والاكتسابية، وتقدم مفاتيح للمتدربين والناشئة بالدرجة الأولى، كما ينبغي التركيز على ضرورة الارتباط بالقراءة، ومتابعة الجديد في التخصص، والانفتاح على الجديد، مع الاحتفاظ بالهوية العربية والوطنية.

د. عبدالرحمن المحسني: كل دورة هي محاضرة متخصصة مكثفة تعمل على أدوات تقنية وأهداف يمكن قياسها
عبدالعزيز النغيمشي: حان الوقت للخروج من قمقم الأدب المحلي إلى الأدب العالمي
د. صالح بن عبدالعزيز المحمود: إذا أُحسن اختيار مقدمي الدورات وموضوعاتها فبإمكانها أن تصقل المواهب
د. أحمد بن صالح الطامي: إقامة دورات تحت مسمى «دورات ثقافية» تثير عديدا من الإشكالات
جابر محمد مدخلي: الفوائد المستقاة من مثل هذه الورش تعتمد على من يقدمها
أ. د. عبدالرحمن رجا الله السلمي ورش الدورات الثقافية يمكن الاستفادة منها إذا وضعت لها أهداف واضحة