رسمت شخصية الفنان الثقافية -مغنياً وملحناً ومنتجاً- في العالم العربي عبر نماذج تشمل قرنين من الماضي والحالي.

واستطاعت مصر الاستئثار بالنموذج المعتمد لأسباب وعوامل عديدة.

على منازعتها في البداية والمجايلة مراكز أخرى، غير أن المحطة الأساسية لكثير من الحناجر العربية حيازة الاعتراف على المستوى العربي متوقفة على المنصة المصرية إلا أنه استثنيت من ذلك حناجر مغاربية استعاضت عنها بالمنصة الأوروبية في باريس بوصفها منصة مهجرية.

وتوفرت لهذه المنصة عوامل طبيعية جغرافياً وتاريخياً في الاستقرار والتنامي الحضاري، وأسباب الحراك الاقتصادي من موارد واستثمار متمايزة.

ولهذا استطاعت حقول الثقافة من فنون وآداب صناعة نجومها وتفعيلها إلى خارج مصر.

وقدمت في حقل الغناء أربعة شخصيات رجالية مختلفة في مواهبها وتجاربها ومتمايزة في مرحلتها ونتائجها، وهي محمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ وعمرو دياب وتامر حسني.

لم يحاول حافظ أن يكون ملحناً بينما ظل مثال عبدالوهاب متنازعاً بينه وبين فريد الأطرش ومحمد فوزي فيما تحلق ملحنون أكفاء حول حليم وهذا ما اتبعه كل من دياب وحسني.

لم يستطع جيل لاحق بعد حليم من استيعاب درس الاختلاف فأفضى إلى نسخ منقحة من تجربته بينما كسر النموذج دياب خالقاً بديلاً لزمانه على أن أهلية نموذجين مهددة له من الراحل مبكراً عمر فتحي ومحمد منير غير أن انحصار الأخير في دائرة ما فرضته عليه حنجرته من لون أي موسيقى الأقلية حجمه كثيراً، كما أن الأصوات ذات الهواء العالي المشابهة لحسني ظلت رهينة السقف المحلي.

استوعب عبدالوهاب وحليم التركيبة الثقافية في عالم الأسطوانات والأدب والسينما واعتمداها في عرض تجربتيهما وتكريسها بينما تكلم دياب وحسني بلغة البرامج التلفزيونية وفن الفيديو الكليب وأخفق الأول في السينما وقبل الثاني مقابل انحصار دياب في مواضيع تكرس الفحولة بينما تأرجح حسني في لغة جيله بعضها اعتمد على لغة الطبقة الوسطى المهترئة ونتاج تجارب غنائية نسوية على رأسها سميرة سعيد.

طرح عبدالوهاب نموذج بدل ذات الأزرار المتعاكسة والطربوش الأحمر فيما انتقى حليم ألبسته المقلمة والمنقطة وإكسسواراته من سلاسل ذهبية فاعتنى دياب بقمصانه ومعاطفه غير الكلاسيكية وقصات الشعر وفتل عضلاته الخمسينية بينما أفاد حسني من السابقين متسماً بالحجاج المقرونة والتزم بالذقن المهذبة علامة جيل -اتخذ ملمحاً خليجياً- أدرك معيار الرجولة بالذكورة نوعاً اجتماعياً دون مفاضلة وترشيد فحولة من أسلحة التجبر والطغيان.

تتضاعف حظوظ حسني الكامنة دون افتراضات مبالغة وإنما بحقوق مكتسبة مستقبلاً.