باستثناء السعودية ودول الخليج نعيش اليوم زمن "البدلة الأوروبية". تراجعت الملابس الوطنية لشعوب العالم لتحل مكانها البدلة الرسمية الأوروبية، التي يلبسها السياسيون ورجال الأعمال في كل القارات، رغم أنها تطورت أصلا في أوروبا لتناسب أجواءها الباردة.

قبل زمن العولمة والتمازج الثقافي، الذي نشهده هذه الأيام، كانت الظروف البيئية والمناخية هي التي تصمم الزي الوطني لكل شعب على حدة، وليس أدل على هذا من الفرق بين ملابس الشعوب بحسب تدرجات المناخ وخطوط العرض الجغرافية؛ ففي سيبيريا وألاسكا مثلا تعد قبعة الفراء وحذاء الفقمة ومعاطف الفرو السميكة لباسا معتادا، في حين تعد الأحذية المفتوحة والسراويل القصيرة وقمصان القطن الخفيفة سمة البلدان الاستوائية ودول أمريكا الجنوبية.

الظاهرة الجديدة هي أن ملابس الشعوب بدأت تتوحد وتتشابه بسبب ارتفاع نسبة التواصل بين الأمم. فاللباس الأوروبي - الجاكيت والبنطلون والكارفات - أصبح اليوم الزي المعتاد للسياسيين ورجال الأعمال في مختلف البلدان.. وملابس النساء والأطفال التي تصنع في شرق آسيا تلبس بعد أسابيع في أفريقيا والشرق الأوسط.. ولأن أجهزة التكييف حـيدت عامل المناخ، أصبح رجل الدولة في أفريقيا الاستوائية؛ حيث تصل الحرارة إلى خمسين مئوية، لا يتحرج من لبس جاكيت الصوف الإنجليزي، وإحاطة رقبته بكرافتة غليظة، ابتكرها الفرنسيون لتدفئة أعناقهم!

وحين أتأمل لباس الرجل السعودي، أرى بكل وضوح أنه وليد ظروفنا الجوية والمناخية. غـير أن ظروفنا أيضا تغيرت، ولم يعد أبناؤنا عرضة للأتربة والغبار وحرارة الشمس كما كان حال أجدادنا في الماضي.. بعد أن كنا نلبس الشماخ لصد أشعة الشمس، أصبح عبئا ثقيلا، وغطاء يرفع حرارة الرأس. لم يعد الثوب الفضفاض يناسب سرعة الحركة، ولم يعد لونه الأبيض يناسب بيئة العمل.. لم يعد المشلح "خيمة صغيرة" تحمينا من الأتربة والغبار، بل أصبح زيا افتراضيا لا يحبه أحـد، ويعطل أيدينا بسبب انشغالها بضمه على الدوام.

لا تنظروا إلى مقالتي هذه كدعوة للتغريب أو التقليد، بل على العكس دعوة إلى التطوير والتعديل. لا أطالب بلبس البدلة الأوروبية، بل ابتكار أزياء وطنية تناسب متغيرات بيئتنا المحلية.

طلبي هذا أكثر وطنية ممن يلبس شماغا إنجليزيا، وثوبا يابانيا، وفنيلة كورية، وسروالا صينيا، ثم يتهم من يلبس البنطلون المعروف لدى العرب بالسروال بالتغـريب.