تمكن تجربة الغناء العربي على مدى قرنين من التسجيلات، ونحن نقفل العقد الثاني من مثيله، كل من  الباحثين والمراقبين، وتعصى على نقاد الانطباع في الصحافة والإعلام الرقمي، من اكتشاف مسار تحول أو سكون الحناجر العربية، كل واحدة تبعاً إلى طبيعتها الخلقية ومهاراتها المكتسبة (سواء ناتج المسموعات أو التدريب الصوتي).

إذ نتج في مدرسة الغناء العربي طريقان أو منهجان غالباً، وحدث توسعهما إلى أربعة في المنتصف الأول من القرن العشرين، ثم عادا إلى ما بدأا عليه، هكذا كانا طريقا أداء الحناجر العربية، على أنه من الحماقة وضعها في صفين متقابلين أو متضادين، وذلك لاختلاف مرجعيات البيئة في الأولى، أو تماثل الظروف الاجتماعية والاقتصادية في الثانية.

غير أن الطبيعة تحكم أصواتها وهذا ما حدث للمغنية شيرين، بعيداً عن انفعالات ومبالغات انتظار وتلقي جديدها، مجموعة "نساي" (2018)، فإن حزمة الأغنيات الأربعة عشر تكشف أن طريقة الأداء داخلة في مرحلة السكون، أي: مرحلة الثبات الأدائي، ليس في التعبير وهنا مكمن تميزها وإنما تقنيات الصوت، فهي لا تفترق عن أصالة أو مواطنتها أنغام الداخلة مرحلة الرتابة منذ عقدين -لا ينسى بدايتها في مرحلة مبكرة-، حين غدت الألحان تتقلص مقامياً في درجات محدودة، في التعبير والدراما (العجم والنهاوند والكرد)، وفي الطربي والشعبي (راست، بياتي، هزام) بينما يلعب الشعراء في المواضيع كما يلعب الموزعون في المؤثرات الصوتية.

ولأنه من الصعب مقارنتها بصوت مريم صالح، ذات الحنجرة الفاعلة في الأغنية البديلة، لكنها متمايزة في أداءاتها وهي من ذات جيل شيرين المنطلقة منذ عام 2002. 

فإن هذه الملاحظة على حناجر مجايلة وبعضها متقدمة باستثناء سميرة سعيد وماجدة الرومي وجوليا بطرس وهدى عبدالله وكارول سماحة، المنفلتات من ذلك السكون الأدائي، بينما نستذكر أن تجارب الحناجر النسائية العربية، في المنتصف الأول من القرن، انفلتت من هذه الرتابة الأدائية لسبب يسبق الآخر منها، وهو خيال الملحن الذي يوازن ما بين رسم جملة لحنية ومطاوعة الصوت لا. 

وهذا ما أنتج لنا تراثاً ثقافياً إعجازياً، مهر بأصوت كبيرات مثل: أسمهان، وليلى مراد، ونور الهدى، وزكية حمدان، وفيروز ووردة، فلم تقبل تلك الحناجر مناطق آمنة مغامراتٍ مع ملحنيهن في المجاهل.

هل هناك رابط، خارج التعليمي والتقني، بين الحنجرة والملحن أو أن لغة التقنية، المعتمدة على الجاهز والمجاني، تستحكم في الإنتاج الثقافي؟. ثمة أمر آخر.

إذن، لماذا يعمد الملحنون، المكثرون في عصرنا، إلى حصرنا في هذه الزاوية الخانقة..؟