العـيب معايير محلية يتربى عليها البشر، ولا تحملها جيناتهم الوراثية، تختلف باختلاف ثقافاتهم ومواقع ولادتهم والبيئة التي نشأوا داخلها، فما نراه نحن عيبا (كعلاقة ما قبل الزواج)، يـراه الغـرب ضمانا لشراكة زوجية سعيدة، وما نراه نحن حقا شخصيا للرجل (كزواجه من أربع نساء)، يـراه غيرنا خللا اجتماعيا وتعـددية يعاقب عليها القانون.

فـالعـيوب والمحرمات (مثـل فـنون وإبداعات الثقافات الأخرى) لا نتقبلها ولا نتفهمها إلا حين نألفها وننشأ داخلها.. فــالإنسان يتبرمج منذ طفولته على معايير أخلاقية وأذواق حسية تـكبر معه، وتتحكم في عقله لدرجة تصبح (في نظره) المعيار الوحيد للحقيقة والجمال، وما يجب على الجميع فعله وتطبيقه.

قــد تكون الشعوب العربية مشهورة بثقافة خلق الفرعون، ولكننا مشهورون أكثر بثقافة خلق الـعـيب والحرام.. قيادة المرأة للسيارة آخر مثال يثبت أن معظم محرماتنا ليس لها أساس ديني صريح.. معظمها افتراضات وهواجس وتحوطات ما أنزل الله بها من سلطان.. قائمة «المعيبات» لدينا تجاوزت بأضعاف محرمات الدين المنصوص عليها في القرآن الكريم.. حديث أسماء وسعفاء الخدين والفضل بن العباس تثبت (كمثال) جواز كشف وجــه المرأة، ولكننا تجاوزناها، وخلقنا دونها محرما لا يملك نصا صريحا بالاسم.. وبمرور الزمن لم نعـد نفرق بين عورة المرأة ووجهـا؛ لأن الإنسان (حين يرث مفهوم العيب جاهزا ومعلبا) لا يفكر في أسباب المنع، ولا في السلبيات المترتبة عليه.

كل عيب جديد نخلقه سيتوارثه أبناؤنا جاهزا ومعلبا دون أن يعلموا الحكمة من وجوده.. وجيلا بعد جيل تتراكم «المعيبات»، فنخلق إما مجتمعا قمعيا كارها للحياة، وإما مجتمعا منافقا يعيش بوجهين، يهتم بالمظهر دون الجوهر.

أرجو فقط أن نميز بين محرمات دينية نزلت من السماء، ومحرمات اجتماعية خلقناها على الأرض.

المحرمات الدينية واضحة وصريحة، ولا تتجاوز في القرآن الكريم 14 محرما.. أما المحرمات الاجتماعية فـهي التي نخلقها ونتوارثها ونتربى عليها دون نقد أو تفكير.. هناك قاعدة فقيهة تقول إن من حق ولي أمـر المسلمين اختيار ما يحقق مصلحة الرعية في المسائل الاجتهادية أو التي اختلف عليها العلماء.. وبناء عليه؛ يجب مراجعة كل المحرمات الافتراضية، والمعيبات الاجتماعية، والأعراف المناطقية التي أصبحت اليوم عقبة أمام تطور المجتمع وتحقيق مصالح الناس.. يجب ألا يـبقى في حياتنا غير المؤكد شرعا، وما يتفق الجميع على ضرره واقعـا.. لا يجوز الافتراض أو التهويل أو حتى الاستشهاد بالشاذ والنادر (كما نرى في وسائل التواصل الاجتماعي)؛ لأن الشاذ والنادر لا حكم لهما بحسب القاعدة الفـقهية.

الشاذ والنادر هو فقط من يخطئ الناس، ويفسق المجتمع من خلال معايير عـيبية نشأ عليها وحده «وإذا قال الرجل هلك الناس فـهـو أهلكهم».