إن كفاءة الشركات الاستشارية وكفاءة المستشارين وخبرة وحكمة وبعد نظر كل طرف هو المعول عليه في مدى نجاح الاستشارة. وتُعد التجربة والخبرة تراكمية تصقل بالممارسة والاستفادة من الأخطاء بالإضافة إلى اعتماد مبدأ التقييم والتقويم الذاتي، وأبعد من ذلك الاستفادة من التفكير الجمعي المبني على تعدد مصادر الاستشارة لأنها مبنية على تلاقح الأفكار والاستفادة من تجارب الآخرين. فالمشورة المتطابقة المأخوذة من أكثر من مصدر هي الأقرب للصواب، إن نجاح أو إخفاق المشورة سببها كفاءة المستشار، والقول المأثور يقول: «الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها أخذها»، وهذا يعني أن اختيار مصدر الاستشارة هو المعول عليه.

دراسة ما قدمته الشركات الاستشارية من أفكار للدول المختلفة تبين الفوارق بين تلك الشركات وسبب نجاح أو إخفاق أي منها، وأشهر الشركات الاستشارية وأقدمها «آرثر دي ليتل» وشركة «أدوين بوز» وشركة «ماكنزي وكوباني»، والأخيرة لها نجاحات ولها إخفاقات عديدة. ومعرفة أسباب النجاح والإخفاق وتكاليف الاستشارة أمر مهم. وتنويع مصادر الاستشارة وطلبها من أكثر من شركة أو أكثر من مستشار مطلب ضروري.

أما المستشارون فإن العلة في أداء أي منهم هي تفرده بالرأي أو قلة خبرته أو عدم وجود رأي يبين النواقص أو يعزز الإيجابيات. فالمشورة المتطابقة المأخوذة من أكثر من مصدر هي الأقرب للصواب. ولهذا نجد أن القادة الناجحين يستعينون بعدد كبير من المستشارين في التخصصات المختلفة السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية والاستراتيجية والتخطيطية وغيرها مما له علاقة بالحراك التنموي والاجتماعي والعلاقات الدولية بكافة أنواعها وتفرعاتها وأبعادها وانعكاساتها. ففي الدول المتقدمة نجد أن للمستشار تأثيراً مباشراً على مجريات اتخاذ القرار، إن المشورة الناضجة الصادرة عن المستشار الحصيف من أهم أسباب النجاح.

أما مراكز التفكير فهي المعول عليها في الدول المتقدمة وهذه قد تأخذ أشكالاً وأنواعاً وتخصصات مختلفة، فهناك مراكز تفكير مستقلة وهناك مراكز تفكير حكومية وهناك مراكز تفكير في القطاع الخاص وهناك مراكز تفكير في الجامعات، وتعتبر مراكز التفكير عيناً ثالثة لكل مسؤول يريد الاستفادة منها فهي تضع حلولاً لكل المشكلات القائمة وتضع تصوراً للاحتمالات المستقبلية. وقد أصبحت دراسة احتمالات المستقبل فيما يتعلق بالأمور السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية الشغل الشاغل لأصحاب القرار في الدول المتقدمة حتى أنهم يضعون خططاً وسيناريوهات لخمسين سنة قادمة وربما يتعدى ذلك إلى قرن كامل أو أكثر. وكثيراً ما تخرج تلك الرؤى على شكل رواية أو مقالة أو فيلم، وبعد ذلك يتلقون ردود الفعل عليها من الإعلاميين والكتاب والمؤلفين وحتى الرأي العام، وأبعد من ذلك يرسلونها للتحكيم وبناء على تلك المعطيات يتم التحوير والحذف والإضافة، ولنا في رواية «كارثة 79» التي صدرت في أميركا في العام 1979 عبرة؛ فهي تنفيذ بحذافيرها على أرض الواقع في الشرق الأوسط بصورة تدريجية وبأسلوب المد والجزر، فهل لنا أن نستفيد من كل من المستشارين ومراكز التفكير والشركات الاستشارية الوطنية ولمتابعة كل ما يطرح من سيناريوهات لأخذ الاستعداد لها وإفشالها قبل تبلورها.