كسب الرأي العام العالمي يجب أن لا يكون مبنياً على ردود الأفعال بل يجب أن يكون عميقاً، وطويل المدى من خلال تطوير علاقات معرفية وأكاديمية مع المؤثرين في العالم، وهذا لا يتحقق بين يوم وليلة بل يجب أن نعمل على إيجاده ودعمه بالإمكانات اللازمة..

أنا على يقين أن جميع السعوديين تابعوا الحملة الشرسة للصحافة العالمية على المملكة، ومحاولتها إلصاق تهمة اختفاء المواطن السعودي جمال خاشقجي ببلادنا بصورة قذرة ومقززة. وبصرف النظر عما حدث لخاشقجي أو ما ستؤول له التحقيقات في ملابسات هذا الحادث لابد أن أقول: إن هناك دروساً عظيمة مستفادة من كل ما حدث. يقولون: «الضربة التي ما تموتك تقويك»، والمملكة تعودت على مواجهة المخاطر، وتاريخها مليء بالنضال ومواجهة التحديات، ولكن قد يكون شكل هذه التحديات قد يغير الأمر الذي يتطلب تغيراً نوعياً في المواجهة. ما أقصده هو أن مواجهة الإعلام الكاذب يجب أن تكون ببناء المعلومات الصادقة التي تظهر حقيقتنا أمام العالم، وهذا ما ينقصنا فعلاً. لقد أعجبتني كثير من التعليقات التي ردت على التسريبات التركية في قضية «خاشقجي»، وأعجبني أكثر المواطن السعودي البطل الذي تصدى لكل وسائل الإعلام بكل اللغات العالمية، وهو الأمر الذي لاحظه العالم أجمع، وبين الإمكانات البشرية الهائلة التي نملكها ولم نعرف استغلالها. البعض يرى أن إعلامنا «رسب» في الامتحان «وهذا دون شك فيه تحامل» لكن المواطن السعودي بولائه وحبه لبلاده هو الذي نجح، ومع ذلك أعود وأقول: إن هذا لا يكفي، نحن بحاجة إلى شيء أكبر وأكثر تنظيماً.

قبل حادثة خاشقجي وفي هذه الصحيفة طرحت عدة مرات تأسيس مؤسسة أو مركز عالمي للدراسات السعودية يكون مقرها «نيويورك» Foundation For Saudi Studies، هدفها بالدرجة الأولى بناء الحقائق التي تساعد متخذ القرار في المملكة على المستوى العالمي. هذه المؤسسة يجب أن تعمل على إبراز الجوانب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفنية والتاريخية للمملكة، ونشر دراسات رصينة بالتعاون مع كبريات المؤسسات العلمية والأكاديمية العالمية؛ لأن المعلومة التي يصدقها العالم هي «ما يشهد به الأعداء»، وليست تلك التي ندعيها لأنفسنا. ما سمعته وقرأته من تلفيق عن المملكة خلال الأسبوعين الأخيرين جعلني أكثر إيماناً بأهمية هذه المؤسسة التي يجب أن تؤسس عاجلاً ودون تردد.

كسب الرأي العام العالمي يجب أن لا يكون مبنياً على ردود الأفعال بل يجب أن يكون عميقاً، وطويل المدى من خلال تطوير علاقات معرفية وأكاديمية مع المؤثرين في العالم، وهذا لا يتحقق بين يوم وليلة بل يجب أن نعمل على إيجاده ودعمه بالإمكانات اللازمة، والتخطيط للدور الذي يجب أن يقوم به والأهداف التي يحققها حتى إذا ما مررنا بأزمة مثل هذه الأزمة التي نمر بها الآن تكون هذه المؤسسة بمخزونها المعرفي وعلاقاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية هي المحرك للرأي العام العالمي، والداعم لمتخذ القرار في بلادنا. هذه الاستراتيجية باتت ضرورية في الوقت الراهن، ومن الأحسن أن لا نتأخر في إطلاقها، والعمل على تحقيقها بهدوء.

يفترض من هذه المؤسسة، لو وجدت، أن تكون الرافد الأهم للإعلام العالمي وحتى المحلي في كل خطوة تحتاجها المملكة في قراراتها القادمة؛ لأن دورها هو التهيئة غير المباشرة، وإبراز نقاط القوة التي تملكها بلادنا. لقد لاحظت في كثير من المناسبات أننا نفتقر إلى المعلومة الرصينة التي يمكن أن يصدقها الآخرون، وما لم تخرج هذه المعلومة من مؤسسات احترافية علمية تملك شراكات متجذرة مع مؤسسات علمية معروفة لن تكون المعلومة ذات قيمة. الهدف هنا أن تكون لدينا مؤسسة عالمية للدراسات السعودية تساهم في بناء صورة المملكة المستقبلية وتدعمها في خطواتها التنموية، وتساندها في قراراتها السياسية، وتشكل درعاً معرفياً وقت الأزمات تدعمنا في مواجهة الرأي العالم العالمي.

ما يثار هذه الأيام حول جمال خاشقجي يجب أن يعلمنا أن نعتمد على أنفسنا، وأن تكون لنا مؤسساتنا التي تصنع الرأي العام، وتكون قادرة على توجيه الإعلام في العالم. هذا هدف استراتيجي يجب أن يقترن باستراتيجيتنا التنموية. هناك مؤسسات إعلامية، وهناك مؤسسات تصنع المعلومات الموثوق بها التي تدعم المؤسسات الإعلامية، وفي اعتقادي أن مؤسسة عالمية للدراسات السعودية يمكن أن تقوم بهذا الدور إذا ما أحسن إدارتها، وقامت ببناء شبكة من العلاقات من المؤثرين في المجالات كافة، وأقنعتهم بالعمل على صناعة المعلومة الرصينة عن المملكة.