مسألة التثاقف بين شعوب الحضارات واردة على مدى نشوئها وتتابعها، وإكمال دوراتها في النهوض والسقوط، وأقصد تلك الشعوب التي ننتمي إليها أي ما بين أرض الرافدين، أو الهلال الخصيب، وأرض باناخيا أو شبه الجزيرة العربية، وأرض النيل، والشمال الإفريقي، وبين شعوب أخرى سواء هبطت علينا من الشمال البعيد، مثل اليونان والرومان والأرمن والشركس، أو زحفت إلينا من الشرق البعيد أيضاً، مثل المغول والأتراك والأكراد والتركمان.

واعتنى علماء الإنسانيات بهذه المسألة، ولم تحسم الكثير من نتائجها، على محاولات من نظريات مفسرة لظواهر مشتركة أو منقولة على الانقطاع الجغرافي أو اتصاله.

وتتمثل تلك الظواهر بالتراث الثقافي المادي والمعنوي.

كما أن التقسيمات العرقية في صورها الاجتماعية، كما يعيها كل شعب، سواء في تصنيف قبلي أو مجتمعي، جماعاتي "طوائف، طبقات، فئات" أو بيئاتي "ساحلي، ريفي، جبلي، صحراوي"، تختل ضمن سياق شامل، للسلالات البشرية ذات العلاقات القرابية، فثمة سلالات تجتمع عليها بعض أطراف ذلك الامتداد الحضاري، وأكثرها قرابة تتنازع بين بعضها.

وتأتي مسألة التثاقف لتكشف مسائل مهمة في سياق تجربة المجتمعات البشرية، في عمليتي: التأثير أو التأثر.

وينتج عن الاحتكاك والاتصال المباشر أن يكتسب الأعضاء الجدد في هذا المجتمع ثقافته، وتُسمى هذه العملية اكتساب الثقافة؛ وهي عملية حيوية مستمرة تتم بوعي الأفراد بها أو من دون وعيهم، فنجدهم يكتسبون أنماطاً سلوكية مغايرة للأنماط السلوكية الخاصة بجماعتهم، وقد يشعرون بذلك عند عودتهم إلى جماعتهم الأصلية.

وإذا نظرنا إلى تاريخ الفنون الأدائية في كل المناطق المذكورة، التي تتجلى تحت مسمى كبير، الدول العربية، تتمثل لنا عمليات تثاقف زاخرة بالتفاعل، وإعادة الإدماج.

وأدى الانقطاع التاريخي أو الجغرافي، أو الاثنين معاً، إلى توهم ملكية ذاك الفن أو سواه، بينما فصل في كثير من تلك الأمور الموهومة دليل مادي، على أن الدليل المعنوي ذو اعتبار، أنجى من سواه.

وقد حدث ذلك حين تأمل تاريخ الآلات الموسيقية، النفخية والوترية، مثل المزمار أو الناي، الكنارة أو القيثارة، الجنك أو الهارب، التي أثمرتها حضارة سومر ودلمون، في الألف الثالث قبل الميلاد، وانتشرت منها إلى بقية الأماكن الجغرافية، على أنها اتخذت أشكالاً وصوراً توحي بملامح محلية وذوق خاص، كما أن تلك الآلات من تاريخها أنشأت تاريخ أنسابها الموسيقية.

ونجد من أبناء المزمار، الهبان والصرناي في ثقافة الخليج العربي، كما نجد السمسمية والطنبورة في ثقافة البحر الأحمر، ونجد القيثار والهارب في ثقافة البحر المتوسط.

وتنتمي تلك الآلات المختلفة الصور إلى فنونهم وآدابهم في تاريخها لا أصلها.