العلم أساس التقدم والرقي في عالمنا المعاصر؛ لأنه أصبح مصدر القوة والتفوق في كل المجالات المدنية والعسكرية، ولذلك أصبحت الأمم في سباق محموم للأخذ بناصيته؛ لضمان بقائها وتفوقها، فالمعرفة أصبحت تتحكم في الاقتصاد والاتصالات والصحة والزراعة وغيرها، لذلك فإن الأخذ بأسباب المعرفة هو الضمانة الأولى لاستقلال الدول وعدم استغلالها من قبل الآخرين.

ولهذا تتسابق الدول على احتضان تعليم متميز، يخرج أجيالا متميزة في كل المجالات، ومنها علوم الفضاء لخدمة خطط التنمية، التي أصبحت علوم الفضاء من أهمها، وهذا ما حدا بالدول المختلفة إلى السباق في مجال إنشاء وكالات الفضاء لخدمة مجالات واهتمامات متعددة، تأتي في مقدمتها الاتصالات والكشف عن الثروات المختلفة، بجانب أهميتها الأمنية في مراقبة الحدود والمياه الإقليمية، فأمريكا لديها وكالة ناسا، وفرنسا لديها وكالة إيروسباسيال، والأوروبيون يملكون وكالة الفضاء الأوروبية، واليابانيون يملكون وكالة الفضاء الوطنية اليابانية (جاكسا)، والألمان يملكون مركز الفضاء الألماني (دي إل آر)، وروسيا تملك وكالة روس - روسكو. كما أن كلا من إسرائيل والهند والصين والبرازيل وغيرها تملك محطات فضاء لها استخدامات متعددة. أما العرب فإنهم حتى الآن لا يملكون لا متفرقين ولا مجتمعين وكالة فضاء واحدة، ويعتمدون على الغير في إطلاق أقمارهم الاصطناعية.

ولا شك أن الظروف الأمنية والعسكرية والاقتصادية التي تشوب المنطقة العربية تحتم الاستفادة من الأقمار الاصطناعية بصورة مكثفة، خصوصا مع بروز التحدي التخريبي الإيراني، الذي ما فتئ يتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، كما هو حادث في العراق وسورية ولبنان ودول الخليج، وقد أثبتت التدخلات الإيرانية في اليمن، ودعمها للحوثيين بالصورايخ الباليستية، أهمية امتلاك الأقمار الاصطناعية الوطنية المعززة بوكالة فضاء وطنية.

إن استمرار إيران في تطوير قدراتها الصاروخية والنووية يحتم أن يصبح لدينا وكالة فضاء ترقى إلى مستوى الحدث، خصوصا أن المملكة تمتلك مساحة شاسعة ذات حدود طويلة جدا، ولذلك فإن استخدام الأقمار الاصطناعية في مراقبة الحدود والمياه الإقليمية والأجواء وكذلك في مجالات استكشاف المياه والنفط والثروات الاقتصادية الأخرى، وقبل ذلك وبعده التنبؤ بالتهديدات الأمنية من قبل إيران وأذنابها الحوثيين في اليمن وغيرهم. لقد أصبحت للأقمار الاصطناعية أهمية قصوى في التحذير المبكر من الهجمات الصاروخية وغيرها، وهي أكثر قدرة ودقة في تلك المجالات من الرادارات المحمولة على الطائرات (اي واكس) والطائرات من دون طيار.

نعم، لقد قامت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية بجهود جبارة في مجال صناعة وإطلاق الأقمار الاصطناعية بالتعاون مع وكالات الفضاء العالمية، ولكن الوقت قد حان لإنشاء وكالة الفضاء السعودية القادرة على إطلاق الأقمار الاصطناعية السعودية من المحطة الأرضية السعودية بأيد وإدارة سعودية، وبما أن ذلك يحتاج إلى كوادر علمية مؤهلة، فإنه يجب الاتجاه إلى إعدادهم منذ الآن، وهذا يتطلب إنشاء تخصصات في الجامعات تخدم هذا الاتجاه.

إن إنشاء وكالة الفضاء السعودية سيخدم كل القطاعات المنوطة بالتنمية، وفي الوقت نفسه تسد ثغرة من الثغرات المستجدة في عالم اليوم، الذي يفصح مع بزوغ فجر كل يوم جديد عن وسيلة أكثر فعالية في خدمة الإنسانية وتقدمها

والدفاع عن مصالحها.