عندما نتلمَّس الإنتاج الثقافي، في الغناء النجدي منذ 1958 - 1985، الذي ظهر ما بين سعد إبراهيم مع أبي سعود الحمادي، وفهد بن سعيد مع عبدالله بن سلوم، وفرج المتروك مع إبراهيم الماس، وبشير حمد شنان مع علي عبدالله فقيه، ويمكن مطالعة منشورات الكثير من شركات الأسطوانات السعودية ما بين العامين 1961 - 1974، يرجح أن تداول الأسطوانات العربية وتأجير مشغلاتها أو عرضها في المقاهي منذ منتصف الأربعينات، لهي تكشف عن مجموعة كبيرة من الأسماء منهم مغنون وملحنون وممثلون - سجلوا مقاطع ساخرة -، فالكثير جرب حظه ولو بأسطوانة، وبعضهم بعد اشتهار أسطوانة سجلت لها أسطوانات كثيرة تكدست ولم يعد إلى ذكره أحد.

وبعضهم من صنع لنفسه "ذاكرة ثقافية"، مثل بشير حمد شنان وفهد بن سعيد، نقلت أغانيه إلى وسائل حفظ وعرض مستجدة كالكاسيت، ولعل الجيل اللاحق الذي لم يتمكَّن من اتخاذ المسار الاحترافي مع شركات الكاسيت منذ العام 1983 قبع في ظل الجلسات التي تسجل وتتداول بصفة غير رسمية بين الهواة على أشرطة الكاسيت، ومن ثم نقل هؤلاء الهواة الكثير من تلك الأغاني إلى وسائل إلكترونية كاليوتيوب والمحمولات الصوتية المتاحة للتحميل والعرض الشخصي.

ولكن كل حركة ثقافية حين تكشف عن نفسها عبر نتاجاتها الثقافية أياً كانت سواء بالآداب كالشعر أو السرد أو بالفنون كالغناء والتمثيل، تتداخل عناصر في مكوناتها، وتصمت عنها أو تتوارى باعتبارها عناصر مندمجة لم تعد نافرة لتبقي صراعاً معها، وتتنوع هذه العناصر إما في بداية التكوين وإما في خضمِّ التكريس..

ويعرف الأثر البَصْري والعُمَاني والزبيري المضمر في الأغنية الكويتية والبحرينية، كما يعرف الأثر الشامي واليمني والمصري في الأغنية الحجازية بينما يتناسى الأثر الجنوبي "جازان وفرسان" والحجازي والحساوي في الأغنية النجدية، ويمكن ملاحظته في الأغنيات التي عرفت خلال فترة انتشار الأسطوانات 1961 - 1974.

إن لجنوب الجزيرة العربية مساراً تاريخياً في تكرس الفنون الأدائية، وقد أخصبت الفنون بالعلاقات التجارية والأسفار بين آسيا في الهند وإفريقيا في الصومال وشكلت لليمن صورة في فنونها اللحجية والصنعانية والحضرمية واليافعية، وتشترك معها عمان في ذلك بالإضافة إلى نجد، من بين تلك الأغاني أغنية "يقول الشمري" "1962" لفرج المبروك "منصور العايش - إبراهيم الماس" على أن النص الشعري كتب على طرق الصخري عدا أن تلحينه على إيقاع وأداء يمني - صنعاني من الماس "1901 - 1966" لهو ملفت كيف ذهب النص النبطي إليه ولحنه أو تراه مركباً عليه؟.

إن هذا يدعو للتفكير والتأمل.