مع الألفية الثالثة أصبحت الشركات العابرة للقارات، والتي تسمى أيضاً الشركات الدولية أو متعددة الجنسيات تحظى بانتشار واسع؛ وهذا نتيجة انفتاح الدول المختلفة، ووعيها بأهمية جذب الاستثمارات الخارجية واستقطابها من خلال إصدار التشريعات وسن القوانين المناسبة التي تسهل ذلك، وتضمن الفوز بقصب المنافسة. وقد حظيت الشركات العابرة للقارات باهتمام علماء الاقتصاد والباحثين على اختلاف مناهجهم، حيث اعتبروها من أكثر التطورات الاقتصادية الحديثة تأثيراً في المجالات كافة، بما فيها السياسية والاجتماعية، فهي تؤثر على الحكومات بطرق مباشرة وغير مباشرة، وبالتالي على العلاقات الدولية، لأن المصالح أصبحت المحرك الأساسي للتحالفات. وفي هذا السياق نجد أن من أهم الشركات السعودية التي لها استثمارات داخلية وخارجية وشركات دولية معروفة كل من سابك وأرامكو وأكوابور والاتصالات ومعادن مما يؤهلها لأن تصبح ضمن ذلك التصنيف.

في العام «2016» برزت أهمية إعادة هيكلة 4 شركات سعودية عملاقة لتصبح «ماركات» تجارية عابرة للقارات في المجالات ذات العلاقة باختصاصها، وفي مقدمتها سابك وأرامكو والاتصالات ومعادن. وقد نسبت وكالة بلمبرج حينئذ إلى مصادر خاصة أن هذا التوجه يسعى إلى إعادة هيكلة بعض الشركات بالدمج والتفرع والتوسع لتصبح قابلة للتسويق الدولي المباشر، وهذا يتوافق مع رؤية «2030» التي يستهدف من خلالها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان - حفظه الله - إعادة هيكلة اقتصاد المملكة من خلال تنويع مصادر الدخل، بحيث لا تبقى المملكة حبيسة النفط كمصدر رئيس لميزانية الدولة، آخذين بعين الاعتبار أن أسعاره تتعرض للتذبذب، والبحث عن البدائل يجري على قدم وساق، ناهيك عن إمكانية نضوبه على المدى المتوسط والبعيد.

نعم هذا التوجه له مبرراته، والتوسع فيه يجب أن يشمل المؤسسات المالية والاستثمارية الأخرى، خصوصاً مع احتدام المنافسة العالمية في هذا المجال، والبقاء دائماً يكون للأصلح والأقوى والأقدر على تحقيق التفوق وكسب الثقة والمصداقية، وقبل ذلك وبعده المهنية المميزة. إن وجود نماذج عالمية ناجحة ومتفوقة في مجالات عولمة الاستثمار مثل اليابان وكوريا والصين وغيرها يجعل تحقيق ذلك التوجه يتم بأقل التكاليف على قاعدة «اسأل مجرب ولا تسأل طبيب»، ناهيك عن أهمية تحييد من لديه مواقف معارضة لكل خطوة إيجابية تسعى المملكة إلى انتهاجها.

إن اقتصاد المعرفة يلقي بظلاله على كافة أنواع الحراك الاستثماري المحلي والعالمي العابر للقارات، كما أنه أصبح من أهم دعائم الاقتصاد الريعي بما يتطلبه من أدوات ووسائل أساسية ومساندة، وبالتالي لا بد لنا أن نولي هذا الجانب اهتماماً بالغاً، خصوصاً أن تكاليف الاستثمار فيه المادية والمعنوية والبشرية منخفضة مقارنة بغيره، كما أن عبوره للقارات أوسع نطاقاً من غيره، ناهيك عن تنوع تطبيقاته واتساع أسواق استهلاكه. ولنا في شركات مثل مايكروسوفت وأبل وآي بي أم وهواوي وغيرها أمثلة تحتذى.

نعم المعول عليه هو قدرة شركاتنا العابرة للقارات على تنفيذ عقود مشروعات في الدول الأخرى، وتصبح لديها القدرة على الإنشاء والإدارة والتشغيل والصيانة، ناهيك عن دعم فعالياتها بالبحث والتطوير اللذين يعتبران مفتاح التميز والتمايز.