هذه من المسائل التي يكثر السؤال عنها، وقبل التفصيل في بيان الكيفية؛ فإنه -كما يقول ابن قدامة- لا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية وكراهة التفضيل. قال إبراهيم النخعي: كان السلف يستحبون التسوية بين الأولاد حتى في القبلة.

وإن من حسن رعاية الوالد لولده أن يعدل بينهم؛ ولا سيما في العطاء المنجز حال الحياة، فإن تفضيل بعض الأولاد على بعض دون سبب شرعي؛ سبب قوي لوقوع العداوة والبغضاء بين الأولاد، بل ويصل الأمر إلى عقوق الآباء.

والحديث النبوي الكريم الذي عليه مدار الموضوع، هو ما رواه النعمان بن بشير رضي الله عنهما: أن أباه أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أعطيت ابني عطية، فقال عليه الصلاة والسلام: (أعطيت سائر ولدك مثل هذا) قال: لا، قال: (فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) فرجع فرد عطيته. البخاري.

والراجح من قولي العلماء وجوب العدل بين الأولاد في العطية إذا لم يختص أحدهم بمعنى يبيح التفضيل من حاجة ونحوها للأدلة الصريحة في ذلك ليس هذا محل بسطها. والمراد -طبعاً- عطية الشيء غير التافه، أما اليسير التافه فلا يجب التعديل بينهم فيه؛ لأنه يتسامح به عادة، وإذا تقرر ذلك: فالسؤال -الآن- كيف يكون العدل بينهم في العطية؟ اتجه العلماء في ذلك إلى اتجاهين:

الأول: أن العدل الواجب بين الأولاد يكون بالتسوية بينهم في المقدار، فتعطى الأنثى مثل ما يعطى الذكر ولا فرق.

الثاني: أن العدل الواجب في عطية الأولاد أن يجعلها بينهم على قدر ميراثهم، وذلك بإعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين.

وكلا القولين قويان، ولهما أدلتهما، والذي يظهر لي رجحانه هو القول الأول الذي يقول بوجوب التسوية بين الأولاد فتعطى الأنثى مثل ما يعطى الذكر وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (أعطيت سائر ولدك مثل هذا) ولم يستفصل عن الذكر والأنثى، ولما في التسوية من تأليف القلوب، ولما في التفضيل من إثارة الوحشة والبغضاء، ولا يسوغ أن يقاس التفضيل بين الذكر والأنثى على الميراث، فإن الميراث قسمة رب العالمين في حال الموت والوارث راض بما فرض الله له بعد موت والده، والعطية اختيار من الوالد في حال حياته.